فهرس الكتاب

الصفحة 13643 من 27345

وقيل هو تزيين القرآن بجمال الصوت؛ فإن القرآن قد يُخرجُ بصوتٍ جاف فظٍ يلقيه قارئه ولا يبالي بتجميله فلا تلتفت إليه القلوب لا لأنه كلام الله بل لأن المتلفظ به ما أبان البلاغ، ولا أجمل الأداء وعلى هذا فلا حاجة إلى القلب وإنما معناه الحث على الترتيل الذي أمر به في قوله تعالى: ورتل القرآن ترتيلا، فحقيقة الحديث: أنه يحث على ترتيل القرآن ورعاية إعرابه وتحسين الصوت به وتنبيه على التحرز من اللحن والتصحيف؛ فإنه إذا قرئ كذلك كان أوقع في القلب وأشد تأثرًا وأرق لسامعه، والرواية الأخرى إن ثبتت فهي تتميمٌ لها ف"زينوا أصواتكم بالقرآن"، أي الهجوا بقراءته واشغلوا أصواتكم به، واتخذوه شعارًا وزينة لأصواتكم كما ينبغي لكم أن تخرجوه بأحسن لفظ وأجمل أداء.

توجيه الزينة في الحديث

ويكون للحديث على هذا توجيهٌ حسنٌ جدًا إذ تكون"الزينة للمرتل لا للقرآن كما يُقال ويل للشِّعر من الراوية السّوء فهو راجعٌ إلى الراوي لا للشعر". وسماه تزيينًا:"لأنه تزيين للفظ والمعنى فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنًا وفي أدائه بحسن الصوت وجودة الأداء بعثٌ للقلوب على استماعه، وتدبره، والإصغاء إليه". ويؤيد هذا المعنى للحديث الأحاديث المستفيضة الأخرى التي تحض على التحبير والترتيل والتحسين والتحزين مما هو في المستوى العلمي الضروري، كما يؤيد هذا المعنى رواية:"حسنوا أصواتكم". والمعنى:"رتلوه واجهروا به". قال الطيبي: هذا الحديث لا يحتمل القلب لتعليله بقوله فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا.

ويشهد لصحة هذا التأويل حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع إلى قراءته فقال:"لقد أوتيت مِزمارًا من مزامير آل داود"فقال لو علمت أنك تستمع لحبَّرتُه لك تحبيرًا أي حَسَّنتُ قراءته وزينتها، ويؤيد ذلك تأييدًا لا شبهة فيه حديث ابن عباس أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"لكل شيء حلية وحلية القرآن حسنُ الصوت".

فالنبي صلى الله عليه وسلم قد علمهم تحسين الصوت بالقرآن، وتحسين القرآن بالصوت بعد أن وجدنا الروايات تذكر ذلك ولا شذوذ يظهر لنا.

وواقع المسلمين بشيبهم وشبابهم وذكورهم وإناثهم، وكبارهم وصغارهم شاهدٌ على ذلك فإنك تجد كل واحدٍ منهم لو كان أميًا إن أراد أن يقرأ غَيَّر صوته على هيئة تتشابه بينهم جميعًا وإن كانت تتفاوت في حسنها، وانضباط قواعدها في ظاهرة عجيبة تدل على مقدار الحفظ الإلهي للقرآن الكريم.

ويبقى بعد ذلك الاختلاف في الأصوات البشرية مسألة طبيعية، كما قال الإمام البخاري: فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أصوات الخلق وقراءاتهم ودراستهم وتعلمهم وألسنتهم مختلفة بعضها أحسن وأزين وأحلى وأصوت وأرتل وألحن وأعلى وأخف وأغض واخشع وقال: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا"طه: 108"، وأجهر وأخفى وأمهر وأحد وألين واخفض من بعض". ذكره البخاري في خلق أفعال العباد."

وهنا نلحظ معلمًا هامًا هو أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم تقديم حسن الصوت في الأذان؛ فأحرى أن يكون ذاك في القرآن: فعن عبد الله بن زيد قال: لما أصبحنا أتينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالرؤيا فقال:"إن هذه الرؤيا حق فقم مع بلال فإنه أندى أو أَحَدُّ صوتًا منك فألق عليه ما قيل لك فينادى بذلك". رواه ابن خزيمة.

و"أندى"أصله: من الندى أي الرطوبة يقال صوتٌ ندى أي رفيع واستعارة الندى للصوت من حيث إن من تكثر رطوبة فمه يحسن كلامه فأندى أي أرفع وأعلى وقيل أحسنُ وأعذب وقيل أبْعَدُ فالأحسن أن يراد بأندى ههنا: أحسن واعذب وإلا لكان في ذكر قوله أحَدّ بعده تكرار وعلى هذا ففي الحديث: دليل اتخاذ المؤذن حَسَن الصوت.

لكن لا يفوتنا في هذا المقام أن نؤكد على أن الأصل في إمامة الصلاة والمقدم في ذلك الحفظ وإتقان القراءة ثم يأتي بعد ذلك حلاوة الصوت ونداوته فلا يكفي أن يكون الإمام نديَّ الصوت فقط دون حفظ لكتاب الله وإتقان له.

والدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي مسعود البدري قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سلمًا أي إسلامًا ولا يؤمَّنَّ الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته أي الفراش الخاص به إلا بإذنه".

فضيلة التغني بالقرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت