( يأتي على الناس زمان ، الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر ) (1)
وهؤلاء هم الغرباء حقا .
(وأهل هذه الغربة ، هم أهل الله حقا فإنهم لم يأووا إلى غير الله ، ولم ينتسبوا إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به ، وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم ، بقوا في مكانهم ، فيقال لهم:"ألا تنطلقون حيث انطلق الناس ؟ فيقولون: فارقنا الناس ، ونحن أحوج إليهم منا اليوم وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده"فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها بل هو أنس ما يكون إذا استوحش الناس، وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا ، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا ، وان عاداه اكثر الناس وجفوه ) (2) .
وهؤلاء الغرباء هم: ( القابضون على الجمر حقا ، واكثر الناس بل كلهم لائم لهم ، فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم ) (3) .
والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فصل
اعلم أنه لا يجوز لأي أحد من الناس أن يوجب على العباد إلا ما أوجبه الله ورسوله أو يحرم إلا ما حرمه الله ورسوله .
فمن أوجب شيئا لم يوجبه الله ورسوله أو حرم شيئا لم يحرمه الله ورسوله فقد شرع من الدين مالم يأذن به الله ولا تجوز طاعته في هذه الحالة لأنه يأمر بمعصية الله ورسوله وقد دل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله ورسوله .
وقد أمرنا الله جل وعلا بطاعة رسوله في نحو ثلاثة وثلاثين موضعًا (4) من كتابه فلا يحل مخالفتها إذ أنه عين الضلال وعين المحادة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد عمت البلوى في هذا الزمان فلا يقبل الكثير منهم إلا آراء الرجال. أما الكتاب والسنة فقد رغب عنهما الكثير ممن سفه نفسه وأعلن عليها بالفجور ولا يعول عليهما إلا عند الحاجة كالميتة لا تؤكل إلا عند الضرورة .
ومن العجائب والعجائب جمة أن كل متمذهب بمذهب ينكر على صاحب المذهب الآخر عدم انتمائه إليه ولا أدري ما هو الدليل الذي دلهم على مذهب غيرهم حتى يعلنوا النكير على أتباع المذاهب الأخرى ؟!
وقد أقسم الله بنفسه في سورة النساء أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا النبي والأمي في الصغير والكبير في جميع الأمور،
فقال تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما ً) سورة النساء آية:65
والله تبارك وتعالى لم يوجب على أي فرد من الناس طاعة شخص بعينه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقد أمرنا بطاعته وعدم الخروج عن أمره لأنه مبلغ عن الله فلا يأمر إلا بما يحبه الله ولا ينهى إلا عما يكرهه الله .
قال تعالى: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) سورة آل عمران آية:132
فهذه الآية يأمر الله تعالى بها عباده أن يطيعوه ويطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم ، والأمر يقتضي الوجوب على الصحيح إلا لصارف و لا صارف له هنا .
بل الآيات كثيرة تؤكد هذا الوجوب، ثم إنه من المعلوم إذا ثبت الأمر يدل على الوجوب أن مخالفه آثم وعاص لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، لأن مخالفة الأمر معصية .
قال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) سورة النور آية:63
فرتب الله تعالى على مخالفة الأمر الفتنة أو العذاب الأليم.
قال الإمام أحمد - رحمه الله-: (أتدري مالفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك)
قال تعالى: ( ومن يطع الله والرسول يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها . وذلك الفوز العظيم .ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) سورة النساء الآيتان 13-14
وقال تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم . وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين) سورة النور آية 54
فهذه الآيه فيها الأمر من الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
(1) رواه الترمذي في جامعه: (6/538-تحفة الأحوذي) بسند ثلاثي، قال: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري بن ابنة السدي الكوفي أخبرنا عمر بن شاكر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره وقال بعده:هذا حديث غريب من هذا الوجه . وعمر بن شاكر روى عنه غير واحد من أهل العلم وهو شيخ بصري.
قال ابن حجر في التقريب: (2/57) في عمر بن شاكر ضعيف ورواه ابن عدي في الكامل: (5/1711) في ترجمة عمر بن شاكر وابن بطة في الإبانة: (1/196) والحديث ضعيف ولكن له شواهد من حديث أبي هريرة عند أحمد: 2/390 وحديث ابن مسعود وحديث أبي ثعلبة الخشمي.
(2) مدارج السالكين: (3/206)
(3) مدارج السالكين: (3/207)
(4) قال أحمد: (نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول في ثلاثة وثلاثين موضعًا...)