فهرس الكتاب

الصفحة 1371 من 27345

-وكلما اعتاد سؤال المخلوق، فتح على نفسه باب الشرك، وأغلق عنها باب التوحيد.

ولأن هذه القاعدة من قواعد الإسلام العظيمة، فقد لفتت نظر العلماء، فبنوا عليها أحكاما فقهية:

-فالحج لا يجب بالهبة، فمن لم يملك الزاد والراحلة لم يجب عليه قبول الهبة من أجل أن يحج، ولو كان الفريضة، حتى لا تكون للمخلوق عليه منّة، قال ابن تيمية في شرح العمدة: (فإن كان قادرا على تحصيله بصنعة أو هبة أو وصية أو مسألة أو أخذ من صدقة أو بيت المال: لم يجب عليه ذلك) (29) ، أي الحج.

-وكذا لا يلزم قبول الهبة لمن عدم السترة في الصلاة، مع كون ستر العورة من شروط الصلاة، جاء في الروض المربع: ((وإن أعير سترة لزمه قبولها) ، لأنه قادر على ستر عورته بلا ضرر فيه، بخلاف الهبة للمنة، ولا يلزمه استعارتها) (30) .

ولأجل ما سبق قال الإمام ابن تيمية:

- (سؤال الخلق في الأصل محرم، لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلا على الله تعالى أفضل"وأسند ذلك إلا الإمام أحمد رحمه الله) (31) ."

فهذه قاعدة مهمة، أن: الأصل في سؤال الخلق أنه محرم

لكن لما كانت بعض حاجات الناس لا تقضى إلا بالسؤال فيما بينهم، حتى يتم التعاون والمودة والتكافل، أباح الله هذا السؤال، على أن لا يتجاوز الحد، بحيث لا يكون هو الديدن والأصل، فيسأل كل شيء، من غير تفريق بين ما يحسن وما لا يحسن، ولا بين الضروري وغير الضروري، وإذا تعرض لسؤال إضطرارا فيجب عليه أن يرد بالمثل ويجتهد في الرد بأحسن من ذلك، فإن لم يقدر لضيق في رزقه، فليجتهد في الدعاء لمن أسدى إليه معروفا، يقول عليه الصلاة والسلام:

-"من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه به، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه" (32) .

وبعد هذا العرض حول هذه القضية الخطيرة المهملة ليس أمامنا طريق نسلكه نعلم عاقبته إلا هذا الطريق:

-فأولى ما نربي نفوسنا عليه، هو تربيتها على سؤال الله وحده.

-وأولى ما نربي أولادنا وأهلينا عليه هو ذلك،.

-وأولى ما نربي الناس عليه، هو هذا الأمر العظيم.

ويقيني أننا لو أخذنا بهذا المبدأ، تعلما وتعليما ودعوة، وترسيخا بالتكرار، في كل مناسبة وحادثة، كما كان عليه الصلاة والسلام يفعل، أن ذلك سيحل كثيرا من المشكلات، التي تعترض طريقنا في هذه الدنيا، من أصغر شيء إلى أكبره، من الذنب الصغير إلى الذنب الكبير، من الصغيرة إلى الكبيرة إلى الشرك، كلها ستحل، وكل أخطائنا ستتلاشى، وكل شيء في حياتنا سيحسن وسيطيب، كما طابت حياة الصحابة والصالحين، فلتكن هذه القاعدة المهمة منا على بال، في كل وقت وآن.

(1) رواه البخاري في الزكاة، باب: من سأل الناس تكثرا، ورواه مسلم أيضا.

(2) رواه البخاري في الزكاة، باب: قوله تعالى: { لا يسألون الناس إلحافا}

(3) رواه أبو داود في زكاة الفطر، باب: كراهية المسألة.

(4) رواه مسلم في الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس.

(5) رواه الترمذي في صفة القيامة، باب رقم 60، صحيح الترمذي رقم 2043.

(6) رواه الترمذي في الزهد، باب: ما جاء في الهم في الدنيا وحبها، صحيح الترمذي رقم 1895.

(7) رواه البخاري في الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة، ورواه مسلم أيضا.

(8) رواه البخاري في الزكاة، باب: بالاستعفاف عن المسألة، ورواه مسلم أيضا.

(9) الحديث في صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي صلى الله وأصحابه إلى المدينة، انظر: الفتح:7/235.

(10) رواه مسلم في كتاب التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف.

(11) رواه مسلم في التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه،

(12) رواه الترمذي في الدعوات، باب: 7، رقم 2832، صحيح الترمذي، صحيح ابن ماجة رقم 1137.

(13) رواه البخاري في المرضى، فضل من يصرع من الريح.

(14) رواه البخاري في المغازي باب: مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، فتح الباري: 8/145.

(15) رواه الترمذي من حديث أنس، قال عبد القادر الأناؤوط: إسناده صحيح، انظر: جامع الأصول 4/165، ورواه أبو يعلى من حديث عائشة بلفظ: ( سلوا الله كل شيء حتى الشسع إذا انقطع) ، حسنه محقق فتح المجيد ص192، طبعة المؤيد.

(16) رواه مالك في الموطأ في الجهاد، باب: الترغيب في الجهاد، ومثله في المسند، انظر الفتح الرباني 23/82، الرد على البكري لابن تيمية، تحقيق: السهلي 1/272.

(17) سير أعلام النبلاء 6/369، قال الذهبي عقبه:"إي والله، فالعجب منا ومن جهلنا، كيف ندع الدواء، ونقتحم الداء؟!، قال الله تعالى: {فاذكروني أذكركم، ولذكر الله أكبر} "، وذكر ابن القيم في الوابل الصيب (ص99) عن محكول قوله:"ذكر الله شفاء، وذكر الناس داء".

(18) مجموع الفتاوى 10/333.

(19) رواه الترمذي في الدعوات، باب: انتظار الفرج، وباب: ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، وفي الموطأ، في القرآن، باب ما جاء في الدعاء.

(20) انظر: الفتاوى 1/98.

(21) انظر: الفتاوى 1/39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت