فهرس الكتاب

الصفحة 13745 من 27345

ويؤكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على هذا المنهج، فنجده يوصي ابن عباس وهو صغير، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: [ يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيِّمُ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ] فَقُلْتُ: بَلَى فَقَالَ: [ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا] رواه أحمد والترمذي. هكذا كان يغرس هذه المعاني الجميلة في نفس ابن عباس وهو صغير. وعن حماد بن زيد قال: كنت أسير مع أبي، فمررنا بجدار فيه تبن، فأخذت عود تبن، فقال لي أبي:لم أخذت؟ ينهاني، فقلت: إنه عود تبن، فقال أبي: لو أن الناس كلهم مروا من هاهنا، فأخذوا عود تبن هل كان يبقى في الجدار تبن يا بني؟ هكذا كانوا يربونهم لا تمتد اليد على أحقر الأشياء، حتى إذا كبر لا تمتد يده إلى أي شيء مهما كان صغيرًا أو كبيرًا .

وعن سهل التستري قال:' كنت مع خالي صغيرًا، وكان يقول لي وأنا ابن ثلاث سنين يقول: لي ألا تذكر الله الذي خلقك قلت: كيف أذكره، فقال لي خالي محمد بن سوار: قل بقلبك من غير أن تحرك به لسانك: الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي ثلاثًا، ثم سبعًا، ثم أحد عشر'. تأصيل رقابة الله عز وجل في نفس الصغير، حتى وإن كان ابن ثلاث سنين. فهذه بائعة اللبن تقول لأمها:' يا أماه إن كان أمير المؤمنين لا يرانا، فإن رب أمير المؤمنين يرانا'.

فعلّم الصغير من هو الله، وأنه هو الذي خلقه وأنعم عليه؛ ليمتلئ قلبه بحب الله، فيحرص بعد ذلك على أن لا يخالف الله بقول أو فعل . ذكر ابن سعد في' الطبقات': أن أم سُلَيْم كانت تلقن أنسًا ولدها الشهادتين قبل أن يبلغ سنتين.

2-التأكيد على تعليمه للوضوء والصلاة: لماذا لا يجلس الأب أو الأم وقتًا يسيرًا لتعليم صغارهم هذا الركن العظيم، وذلك بالتطبيق العلمي أمامه، ثم ليطبق الولد ما يراه، فإن أخطأ؛ وجِّهه بدون تعنيف، إن الصغار كثيرًا ما يندفعون لتقليد آبائهم وأمهاتهم في الصلاة، فيقفون بجوارهم، ويفعلون كما يفعل آباؤهم ولذلك نوصي الأب بأن يحرص على صلاة النوافل والرواتب في البيت بل هذه هي السنة، فقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [... صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ] رواه البخاري ومسلم . وفي صلاة النافلة في البيوت فوائد كثيرة منها: تشجيع الزوجة والأهل على العبادة، وإحياء البيت، وطرد الشياطين، وكثرة مشاهدة الصغار والدهم وهو يصلي وهذا ما يسمى عند علماء التربية بأسلوب التربية بالعادة، وهو من أسهل الأساليب وأفضلها.

وكم نغفل عن هذا المنهج النبوي في أمر الصلاة، فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ] رواه أبوداود وأحمد . إذًا في هذا الحديث يمر الصغير بثلاث مراحل: قبل السبع، وهذا أمر مندوب إليه أن يشجع الصغير بالتلميح للصلاة، وما بعد السبع وهنا يجب على الأب وعلى الأم أن تعلّم أو يعلّم صغيرهما على الصلاة وأركانها وما يقول فيها، ثم المرحلة الثالثة عند العشر وما بعدها، فإن لم يستجب الصغير؛ فكما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [...وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ...] ولا يستعمل الضرب إلا بعد فشل جميع الوسائل والعقوبات الأخرى: من وعظه وتعنيفه وهجره، أي: لا يكلمه ولا يمازحه ويحرمه بعض ما يحب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت