وقد حارب النبيُّ صلى الله عليه وسلم بني قريظة، وأنزلهم على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما رجع النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الخندق، ووضع السلاح واغتسل؛ أتاه جبريل عليه السلام، فقال: قد وضعت السلاح؟! والله ما وضعناه، فاخرج إليهم. قال: (( فإلى أين؟ ) ). قال: ها هنا. وأشار إلى بني قريظة، فخرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم.
وعن ابن عمر أنّ يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، وأقرَّ قريظة، ومَنَّ عليهم؛ حتى حاربت قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلاَّ أنَّ بعضهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنهم، وأسلموا، وأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود المدينة كلهم؛ بني قينقاع - وهم قوم عبد الله بن سلام - ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان بالمدينة.
قال النوويُّ:"في هذا: أنّ المعاهد والذميَّ إذا نقض العهد صار حربيًا، وجرت عليه أحكام أهل الحرب، وللإمام سبي من أراد منهم، وله المَنُّ على من أراد. وفيه: أنّه إذا مَنَّ عليه ثم ظهرت منه محاربة انتقض عهده، وإنّما ينفع المَنُّ فيما مضى، لا فيما يستقبل، وكانت قريظة في أمان، ثم حاربوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ونقضوا العهد، وظاهروا قريشًا على قتال النبيِّ صلى الله عليه وسلم".
أحكام أهل الذمة (2/475) .
أحكام أهل الذمّة (2/475) .
السيل الجرار (4/441) .
الدرّ النقي (289) .
أحكام أهل الذمة (1/1) .
البخاري في الجزية، باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب (3157) .
الأحكام السلطانية (143) .
انظر: مغني المحتاج (4/253) .
جامع الأصول لابن الأثير (7/466) .
نظم المستعذب (1/157،156) .
الهداية شرح البداية للمرغيناني (1/221) ، والبحر الرائق لابن نجيم (7/95) ، والمدونة الكبرى لسحنون (3/24) ، والأم للشافعي (4/283) ، والفروع لابن مفلح (2/367) .
انظر: بدائع الصنائع (7/106) .
البحر الرائق (5/109) .
انظر: زاد المسير لابن الجوزي (3/404) .
الجامع لأحكام القرآن (8/83) .
البخاري في المغازي، باب مرجع النبيِّ صلى الله عليه وسلم من الأحزاب (4117) ، ومسلم في الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد (1769) .
البخاري في المغازي، باب حديث بني النضير (2048) ، ومسلم في الجهاد والسير، باب إجلاء اليهود من الحجاز
(1766) ، واللفظ له.
شرح مسلم (12/91) .
ثانيا: أحكام فقهية متعلقة بغير المسلمين:
1-التجارة:
تدل عبارات الفقهاء على جواز الاتجار مع الحربيين، فللمسلم دخول دار الحرب بأمان التجارة، وللحربي دخول دار الإسلام للتجارة.
قال المرغينانِي:"وإذا دخل المسلم دار الحرب تاجرًا؛ فلا يحل له أن يتعرض لشيءٍ من أموالهم، ولا من دمائهم".
وقال السرخسي:"وإذا دخل المسلم أو الذميّ دار الحرب تاجرًا بأمان؛ فأصاب هناك مالًا ودورًا ثم ظهر المسلمون على ذلك كله فهو له كله".
وقال الشافعيّ:"لو أنَّ حربيًا دخل إلينا بأمان وكان معه مال لنفسه ومال لغيره من أهل الحرب لم نعرض له في ماله".
وقال أبو إسحاق الشيرازي:"ويجوز تمكينهم من دخول الحجاز لغير الإقامة؛ لأنّ عمر رضي الله عنه أذن لمن دخل منهم تاجرا في مقام ثلاثة أيام".
وقال ابن تيميّة:"وإذا سافر الرَّجل إلى دار الحرب ليشتري منها جاز عندنا، كما دلّ عليه حديث تجارة أبي بكر رضي الله عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام، وهي حينذاك دار حرب، وغير ذلك من الأحاديث".
وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: هل يجوز للمسلم أن يكون شريكًا للنصراني في تربية الأغنام أو تجارتِها أو أيِّ تجارة أخرى, أفيدونا أفادكم الله؟
فأجاب رحمه الله:"بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بِهداه."
أمَّا بعد: فإنّ اشتراك مسلم مع نصراني أو غيره من الكفرة في المواشي أو في الزراعة أو في أي شيء آخر، الأصل في ذلك جوازه إذا لم يكن هناك موالاة، وإنّما تعاون في شيء من المال كالزراعة أو الماشية أو نحو ذلك، وقال جماعة من أهل العلم: بشرط أن يتولى ذلك المسلم، أي: أن يتولى العمل في الزراعة، أو في الماشية المسلم، ولا يتولى ذلك الكافر لأنه لا يُؤْمَن.
وهذا فيه تفصيل: فإن كانت هذه الشركة تجر إلى موالاة، أو لفعل ما حرم الله، أو ترك ما أوجب الله حرمت هذه الشركة لما تفضي إليه من الفساد، أما إن كانت لا تفضي لشيء من ذلك، والمسلم هو الذي يباشرها وهو الذي يعتني بِها حتى لا يخدع فلا حرج في ذلك.