وجماع ذلك: أنه سبحانه يتعرّف إلى العبد بصفات إلإهيته تارة وبصفات ربوبيتة تارة، فيوجب له شهود صفات الإلهية المحبة الخاصة، والشوق إلى لقائه، والأنس والفرح به، والسرور بخدمته، والمنافسة في قربه واللهج بذكره، والفرار من الخلق إليه، ويصير هو وحده همّه دون سواه، ويوجب له شهود صفات الربوبية التوكل عليه، والافتقار إليه، والاستعانة به، والذل والخضوع والانكسار له.
وكمال ذلك أن يشهد ربوبيته في ألوهيته، وألوهيته في ربوبيته، وحمده في ملكه، وعزّه في عفوه، وحكمته في قضائه وقدره، ونعمته في بلائه، وعطائه في منه، وبرّه ولطفه وإحسانه ورحمته في قيّوميّته، وعدله في انتقامه، وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجوّزه.
ويشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه، وعزه في رضاه وغضبه، وحلمه في إمهاله، وكرمه في إقباله، وغناه في إعراضه.
وأنت إذا تدبرت القرآن وأجرته من التحريف، وأن تقضي عليه بآراء المتكلمين، وأفكار المتكلفين، أشهدك ملكًا قيّومًا فوق سماواته على عرشه يدبّر أمر عباده، يأمر وينهى، ويرسل الرسل، وينزل الكتب، ويرضى ويغضب، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعزُّ ويذلّ، ويخفض ويرفع، يرى من فوق سبع ويسمع، ويعلم السر والعلانية، فعال لما يريد، موصوف بكل كمال، منزّه من كل عيب، لا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، ليس لعباده دونه وليُّ ولا شفيع ).
دعاء الله بأسمائه الحسنى
يقول الشيخ عمر الأشقر: ( أسماء الله وصفاته تدل على عظمته تبارك وتعالى، ومن هنا كثرت أسماؤه وصفاته، وقد قيل: [العظيم من كَثُرتْ صفات كماله] ) .
وإذا كانت صفات الله وأسماؤه تدل العباد على عظمة الباري ـ جل وعلا ـ وكماله وسؤدده، فإنها أعظم سبيل يستطيع العباد سلوكه لتعظيم الله وتقديسه وتمجيده ودعائه.
وقد أمرنا الحق بدعائه بأسمائه الحسنى فقال: ? وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ? ... [الأعراف:180] ، والدعاء في اللغة والحقيقة هو: الطلب، أي اطلبوا منه بأسمائه.
ودعاء الله بأسمائه الحسنى مرتبتان كما أشار إلى ذلك ابن القيم ـ رحمه الله تعالى:
الأولى: دعاء ثناء وعبادة: وقد أمرنا الله تبارك وتعالى أن نمجده ونثني عليه فقال: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ?41? وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ? ... [الأحزاب: 41 ، 42] .
وفي الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (ما من أحد أحب إليه المدح من الله) ، وقد وعد الله بذكر من يذكره، قال تعالى: ? فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ? ... [البقرة:152] . وفي الحديث الذي يريه البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) . وأخبر الحق أن الذاكر لله يطمئن قلبه، وتهدأ نفسه: ? أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ? ... [الرعد: 28] .
الثانية: دعاء طلب ومسألة: وقد أمرنا تبارك وتعالى بدعائه والطلب منه ووعدنا بالإجابة: ? وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ?... [غافر:60] .
ودعاء الله وسؤاله لا ينبغي أن يكون إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا فلا يقال: يا موجود، أو يا شيء، اغفر لي وارحمني.
وقد نبه علماؤنا إلى السائل ينبغي أن يتخير في كل سؤال الأسماء المناسبة للطلب الذي يطلبه، يقول ابن القيم ـ رحمه الله: ( يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلًا إليه بذلك الاسم، ومن تأمل أدعية الرسل وجدها مطابقة لهذا) . ويقول: ( يأتي السائل بالاسم الذي يقتضيه المطلوب، كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، ولا يحسن أن تقول: إنك أنت السميع البصير) .
ويقول ابن العربي: ( يطلب بكل اسم ما يليق به، تقول يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رزّاق ارزقني، يا هادي اهدني) ، ونبه ابن العربي إلى أن بعض أسمائه تبارك وتعالى أسماء عامة تصلح لأن يدعى بها في كل موضع، وفي كل الأمور، مثل: الله، الرب.