فهرس الكتاب

الصفحة 13941 من 27345

وقولهم: ثَابِتٌ فِي مَوْقِفِهِ لاَ يَحِيدُ عَنْهُ بمعنى رَاسِخٌ، مُقيمٌ عَلَيْهِ لاَ يُغَيِّرُهُ، ومنه قول الله _تعالى_:"كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ" (1) .

وقالوا: ثَابِتُ الإرَادَةِ وَالعَزْمِ أي الْمُسْتَقِرُّ، الْمُصَمِّمُ القَصْدِ (2) .

وقالوا: أَمْلاَكٌ ثَابِتَةٌ أوْ أمْوَالٌ ثَابِتَةٌ أي أمْلاَكٌ أوْ أمْوَالٌ غَيْرُ مَنْقُولَةٍ (3) .

وغير ذلك من إطلاقات، ومما سبق يتضح ما يلي:

1-الثوابت تطلق على ما روعي فيه معنى الدوام والاستقرار.

2-الدوام والاستقرار قد يكون مطلقًا، وقد يكون نسبيًا لاعتبار معين كما في جل الإطلاقات السالفة.

إطلاقات اصطلاحية:

الثبوت"ولا يخرج استعماله اصطلاحا عن الدوام والاستقرار والضبط" (4) .

ومن الأمثلة للتعريفات الاصطلاحية الفقهية التي تضمن معان للثبوت مقيدة ثبوت النسب، والشهر، والحقوق وغير ذلك (5) .

غير أن بعضهم يطلق"الثَّوَابِتُ وَالْمُتَغَيِّرَاتُ"على"مَا يَدُومُ وَيَرْسَخُ وَيَثْبُتُ غَيْرُ قابِلٍ لِلتَّحَوُّلِ أو التَّغَيُّرِ عَكْسَ الْمُتَغَيِّراتِ وَما هُوَ عَارِضٌ" (6) .

وهذا المعنى وإن كان صحيحًا فليس بلازم اطراده لغة، بل هو اصطلاح لبعضهم، فقد يطلق الثبوت لمراعاة الدوام والاستقرار النسبي أو الاعتباري كما مر.

وبعض أهل الفضل يجعل الثوابت في الشرع هي الأمور القطعية ومسائل الإجماع ويلحق بها من باب الاعتبار النسبي الاجتهادات الراجحة التي تمثل مخالفتها نوعًا من الشذوذ أو الزلل. وهذا صحيح باعتبار العذر وعدمه للمخالف في المسائل. وعليه فهو اصطلاح لا مشاحة فيه.

على أن نراعي أنه قد يدخل في معنى الثوابت عند آخرين أمور أخرى باصطلاحات أخرى غير ما أشير إليه.

فالظني قد يكون من الثوابت بالنسبة للبعض لاباعتبار عذره المخالف من عدمه ولكن باعتبار قوله به واعتقاده لصوابه و ثباته عليه مهما كلف الأمر لما حفت به من قرآن عنده، ومن أمثلة ذلك من الفروع الفقهية طلاق الثلاث هل يقع واحدة أو ثلاث، فمع أن هذه مسألة فرعية ظنية اجتهادية غير أن شيخ الإسلام ابن تيمية ثبت عليها وآثر السجن على التنازل عن الفتوى بها حتى مات _رحمه الله_.

الثوابت المطلقة والثوابت النسبية:

ولهذا لو قال قائل الثوابت المطلقة: هي نصوص الوحيين الصحيحة المحكمة، فقد أصاب فإن هذه ثوابت مطلقة لامرية فيها، أما الأحكام المستنبطة منها فقد تكون ثوابت مطلقة كالأحكام النصية (7) ومثالها حرمة الزنا المستنبطة من قول الله _تعالى_:"وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا" [الإسراء: 32] .

ويمكن أن نجمل الثوابت المطلقة في ثلاثة أنواع هي:

"النوع الأول: أصول الدين التي تثبت بالأدلة القاطعة، كوجود الله _تعالى_ ووحدانيته، وملائكته وكتبه ورسالة محمد _صلى الله عليه وسلم_ والبعث بعد الموت ونحو ذلك، فهذه أمور لا مجال فيها للاختلاف، من أصاب الحق فيها فهو مصيب، ومن أخطأه فهو كافر."

النوع الثاني: بعض مسائل أصول الدين، مثل: مسألة رؤية الله في الآخرة، وخلق القرآن، وخروج [عصاة] الموحدين من النار، وما يشابه ذلك، فقيل يكفر المخالف، ومن القائلين بذلك الشافعي، فمن أصحابه من حمله على ظاهره، ومنهم من حمله على كفران النعم (8) ..

النوع الثالث: [الأمور] المعلومة من الدين بالضرورة كفرضية الصلوات الخمس، وحرمة الزنا، فهذا ليس موضعًا للخلاف، ومن خالف فيه فقد كفر" (9) . فهذه ثلاثة أنواع تندرج تحتها أفراد وجميعها ثوابت مطلقة ينبغي التمسك بها، والسبب توارد النصوص فيها، وإجماع السلف عليها، فإنكارها أو القول بجواز تركها إنكار للنص أو قول بجواز تركه، ولهذا تضافرت الأخبار عن السلف في الثبات عليها بل وعدم إعطاء بعضهم التقية فيها رغم الإكراه الذي يسوغ لهم إعطاؤها، ومن تأمل سيرة الإمام أحمد والإمام ابن تيمية وجد ذلك جليًا."

القسم الآخر الثوابت النسبية:

(1) السابق.

(2) السابق.

(3) السابق.

(4) تنظر الموسوعة الفقهية 15/9.

(5) السابق 15/9-10.

(6) ينظر الغني لعبدالغني أبو العزم السابق.

(7) على تعريف النص عند الأصوليين من نحو قولهم ما تأويله تنزيله أو مالا يحتمل إلاّ معناه.

(8) وهذا بعيد فقد قال يونس بن عبد الأعلى سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما يؤمن به فقال لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها وصح عن رسول الله القول بها فيما روى عنه العدول فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر أما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها. [ينظر اجتماع الجيوش الإسلامية ص94] .

(9) الموسوعة الفقهية 2/293-294 بتصرف يسير واختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت