فهرس الكتاب

الصفحة 13965 من 27345

ومن هنا نعلم أن شيئًا آخر غير العبقرية العلمية، لعب دورًا كبيرًا في رفع أولئك الأئمة الذين كانوا في الصدر الأول من تاريخ التشريع الإسلامي، إلى مركز الصدارة في الميدان الاجتهادي، ألا وهو فراغ المجال الاجتهادي أمامهم، بحيث إن أي إنجاز علمي يتجلّى فيه، لابدَّ أن يأخذ الشكل الإبداعي، وأن يسمى بالاجتهاد المطلق.

فهذا هو الذي أظهر أسبقية أولئك في مظهر المبدعين للاجتهاد ومناهجه، وأظهر هؤلاء المتأخرين، شاؤوا أم أبوا، في مظهر المقلدين والتابعين، حتى وإن كانوا في واقع الأمر مستقلين بالنظر والبحث.

وقد نقل الزركشي عن القفال الشاشي أنه كان إذا استُفْتِي أجاب السائل، ثم قال له: لست مقلّدًا للشافعي، ولكن وافق رأيي رأيه!.. وكذلك ابن دقيق العيد والعز بن عبد السلام (من أعيان القرن السابع) فقد كان كل منهما يجتهد فيما يُستفْتَى فيه، إلا أنه يجد نفسه مع ذلك غير خارج عن مذهب إمامه..

إذن فإن ما كان يبدو في النشاطات العلمية لعلماء القرن الرابع فما بعد، من مظهر التقيد بمنهج من قد سبقهم، لم يكن عن تقليد وابتعاد منهم عن الاجتهاد، بل لم يكن لهم منه بدٌّ ولا مناص. لهذا السبب الذي ربما أطلت في بيانه.

أخيرًا ما الذي نأخذه من هذا الكلام كله لعصرنا الذي نحن فيه؟

نأخذ منه ما يلي:

أولًا: باب الاجتهاد مفتوح ولا يمكن أن يغلقه أحد.. ولكن له شروطه وضوابطه، ولا يجوز أن يتلاعب بها أحد.

ثانيًا: لا معنى للتطلع إلى ما يسمى (الاجتهاد المطلق) إذ لا معنى ولا مبرر لاطّراح قواعد الاستنباط وتفسير النصوص، لمجرد أنها قديمة الاكتشاف، وأن غيرنا من العلماء قد سبق إلى معرفتها والعمل بها فاكتسب بذلك اسم (المجتهد المطلق) . الشأن في ذلك كشأن الذين اكتشفوا من قبلنا قواعد اللغة العربية تمامًا.

ثالثًا: إن دراسة المشكلات والأوضاع الحديثة يجب دراستها دراسة اجتهادية بجدّ وإخلاص، وهي تدخل بدون ريب في صميم واجباتنا وحياتنا الإسلامية، ومن الخير الاستنجاد بـ (الاجتهاد الجماعي) كلما اشتدت المشكلة وتغلبت عوامل الالتباس والتشابه.

رابعًا: إن الكلمة الجامعة التي ينبغي أن تلتقي عليها المذاهب الإسلامية في هذا العصر بصدد مسألة الاجتهاد، هي: أن المسالك الاجتهادية إنما هي السبل المؤدية إلى معرفة الغوامض من أحكام الله وأوامره للانضباط بها والتحرك داخل ساحتها، وليست، كما يجب أن يراها بعضهم اليوم، سبلًا للتسلل والفرار من خلالها، من ضوابط الشرع وقيوده، والابتعاد عن فلك الدين والتحرر من جاذبيته.

والميزان الذي به يمكن أن ندرك هذه الحقيقة ونتذوقها، هو القاعدة التي لا شذوذ فيها ولا ريب والقائلة:

إن الإسلام الحضاري الذي يثير دهشة وإعجاب كثير من الناس، لا يمكن أن ينهض إلا على أساس راسخ من الإسلام التديّني!.. وإن كلًا من الماضي البعيد، والحاضر الذي نتقلب فيه، لأكبر شاهد على ذلك.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــ

(1) إعلام الموقعين 4/215.

(2) الرسالة بتحقيق أحمد شاكر ص39.

(3) المرجع السابق ص40.

(4) الموافقات للشاطبي 1/87-88.

(5) انظر إرشاد الفحول للشوكاني 240.

(6) الاجتهاد والحياة لمجموعة من المؤلفين ص53.

(7) الرسالة: الفقرات 961، 962، 963 بتحقيق المرحوم أحمد شاكر.

(9) الأحكام للآمدي 3/139-140، ط صبيح القاهرة. وانظر المستصفى للغزالي: 2/351-352 ط بولاق، ونهاية السول في شرح منهاج الأصول للأسنوي 4/547 ط السلفية.

(10) انظر الموافقات للشاطبي 4/89-90، والمستصفى للغزالي 2/230.

(11) نهاية السول للأسنوي مع حاشية البخيت عليه 4/575.

(12) مسلم الثبوت بشرح فواتح الرحموت لعبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري 2/395 ط بولاق.

(13) ارجع ما ذكره الإمام الغزالي مطولًا في هذا البحث في كتابه المستصفى 1/146 ط بولاق.

(14) انظر الرسالة للشافعي من ص401 فما بعد بتحقيق أحمد شاكر.

(15) انظر الأسنوي على المنهاج للبيضاوي 4/883-884 وفواتح الرحموت بشرح مسلّم الثبوت لعبد العلي محمد الأنصاري 2/395، وشرح العضد على المختصر لابن الحاجب 2/39 ط بولاق. وشرح المحلي على جمع الجوامع لابن السبكي 2/146-147 ط: الخيرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت