فهرس الكتاب

الصفحة 14125 من 27345

قال الإمام أحمد رحمه الله: (إنَّماحظُّهُمْ من الإسلامِ على قَدْرِحَظِّهم من الصلاة ، ورغبتُهم فيالإسلام على قدر رغبتِهِم فيالصَّلاة . فاعرف نفْسَكَ يا عبدَاللَّه ! واحْذَرْ أن تَلْقَى اللَّهولا قَدْر للإسلامِ عنْدَك . فإنَّقَدْرَ الإسلامِ في قَلْبِكَكقَدْرِ الصلاة في قلْبِكَ) 2.

وليس حظُّ القلْبِالعامِرِ بمحبَّةِ الله ،وخشْيَتِهِ ، والرغبَةِ فيه ،وإجلالِهِ وتعظيمِهِ من الصَّلاة ،كحَظِّ القلبِ الخالي الخراب من ذلك، فإذَا وَقَفَ الإثنان بين يَدَيالله في الصَّلاة ؛ وقَفَ هذا بقَلبٍمُخْبِتٍ خاشِعٍ له ، قريبٍ منْهُ ،سليمٍ من معارضات السُّوء ، قدامتلأتْ أرجَاؤه بالهَيْبَةِ ،وسَطَعَ فيه نُورُ الإيمان ، وكَشَفَعنْهُ حجاب النفس ودُخان الشَّهوات ،فيَرْتَعُ في رياضِ معاني القرآن ،وخالَطَ قلْبُهُ بشَاشَةَ الإيمانِبحقائِق الأسْماء والصِّفات ،وعلوِّها وجمالِها ، وكمالِهاالأعْظم ، وتفرُّدِ الربِّ سبحانهبنعوتِ جلالِهِ ، وصفاتِ كمالِهِ ؛فاجْتَمَعَ همُّهُ على الله ،وقرَّتْ عينُهُ بِهِ ، وأحسَّبقُرْبِهِ منَ اللهِ قُرْبًا لانظيرَ له ؛ فَفَرَّغَ قَلْبَهُ له ،وأَقْبَلَ عَلَيْهِ بكُلِّيَّتِهِوهذا الإقبالُ منه بين إقبالَيْن منرَبّهِ ، فإنَّهُ سُبْحَانَهُأقْبَلَ عليه أوَّلًا ، فانْجَذَبَقَلْبُهُ إليه بإقْبالِهِ ، فلمَّاأقْبَلَ على رَبِّهِ ، حظي منْهُبإقبالٍ آخَرَ أتمّ من الأَوَّل.

وهَهُنا عجيبةٌ من عَجَائِب الأسماءوالصِّفات تحصلُ لِمَنْ تفقَّهَقلبُهُ في معاني القرآنِ ، وخالَطَبشاشَةَ الإيمانِ بها قلبه ،بحيثُيرى لكلِّ اسمٍ وصِفَةٍ موضِعًا منصلاته ، ومحلاًّ منها .

فإنّه إذا انْتَصَبَ قائِمًا بينيديّ الربِّ تبارك وتعالى ، شاهدَبقَلْبِه قيُّوميَّتَهُ . فيقومبقلبه الوقوفُ بين يدي عظيمٍ جليلٍكبيرٍ ، أكبرُ منْ كلِّ شيء ، وأجلّمن كلّ شيء ، وأعظمُ منْ كلِّ شيء ،تلاشتْ في كبريائه السماواتُ وماأظلّتْ ، والأرضُ وما أقلّت ،والعوالمُ كلُّها ؛ عَنَتْ لهالوجوهُ ، وخضعتْ له الرقابُ ،وذلّتْ له الجبابرةُ .

وَهَذَا المَشهَدُ إنَّمَا يَنشَأُمِن كَمَالِ الإيمَانِ بِاللهِوَأَسمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ، حَتَّىكَأَنَّهُ يَرَى الله سُبْحاَنَهُفَوقَ سَمَوَاتِهِ 3، مُستَوِيًا عَلَىعَرْشِهِ ، يَتَكَلَّمُ بِأَمْرِهِوَنَهيِهِ ، وَيُدَبِّرُ أَمْرَالخَلِيقَةِ ، فَيَنْزِلُ الأَمْرُمِنْ عِنْدِهِ وَيَصْعَدُ إلَيهِ ،وَتُعْرَضُ أَعْمَالُ العِبَادِوَأَرْوَاحُهُم عِنْدَالمُوَافَاةِ عَلَيهِ . فَيَشهَدُذَلِكَ كُلَّهُ بِقَلبِهِ ،وَيَشْهَدُ أَسمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ، وَيَشهَدُ قَيُّومًا ، حَيًّا ،سَمِيعًا ، بَصِيرًا ، عَزِيزًا ،حَكِيمًا ، آمِرًا ، نَاِهِيًا ،يُحِبُّ وَيُبغِضُ ، وَيَرضَىوَيَغضَبُ ، وَيَفعَلُ مَا يَشَاءُ ،وَيَحكُمُ مَا يُرِيدُ وَهُوَ فَوقَعَرشِهِ لا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِنأَعمَالِ العِبَادِ ولا أَقوَالِهِموَلا بَوَاطِنِهِم ، بَلْ يَعلَمُخَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفيالصُّدُورُ .

وَمَشهَدُ الإحسَانِ أَصلُ أَعمَالِالقُلُوبِ كُلِّهَا ، فَإنَّهُيُوجِبُ الحَيَاءَ ، وَالإجْلالَ ،وَالتَّعْظيِمَ ، وَالخَشْيَةَ ،وَالمَحَبَّةَ ، وَالإنَابَةَ ، وَالتَّوَكُّلَ ، وَالخُضُوعَ للهِسُبْحَانَهُ ، وَالذُّلَ لَهُ ؛وَيَقطَعُ الوَسَاوِسَ وَحَدِيثَالنَّفْسِ ، وَيَجمَعُ القَلبَوَالهَمَّ عَلَى اللهِ .

فَحَظُّ العَبدِ مِن القُربِ مِناللهِ عَلَى قَدرِ حَظِّهِ مِنمَقَامِ الإحسَانِ ، وَبِحَسَبِهِتَتَفَاوَتُ الصَّلاةُ ، حَتَّىيَكُونَ بَينَ صَلاةِ الرَّجُلَينِمِن الفَضْلِ كَمَا بَينَالسَّمَاءِ وَالأَرضِ ،وَقِيَامُهُمَا وَرُكُوعُهُمَاوسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ .فسبحان منفاضل بين النفوس وفاوت بينها هذاالتفاوت العظيم .

عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليهوسلم يقول: ( إنالرجل لينْصرفُ ، وما يكتَب له إلاعُشْرُ صلاته ، تُسْعُها ، ثُمُنُها، سُبُعُها ، سُدُسُها ، خمسها ،ربعها ، ثلثها ، نصفها) 4.

وإذا قالَ: الله أكبر ، شاهَدَكبرياءَهُ وعظمتهُ ، واستشعرَ بقلبه: أنَّ الله أكبرُ منْ كلِّ ما يخطرُبالبال . وقبيحٌ بالعبدِ أنْ يقولَبلسانهِ: ( اللهُ أكبرُ ) وقد امتلأَقلبُه بغير الله فهو قبلة قلبه فيالصلاة ، ولعله لا يحضر بين يدي ربّهفي شيء منها . فلو قضى حقَّ ( اللهُأكبرُ ) ، لدخل وانصرف بأنواعالتُّحَف والخيرات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت