رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يؤذيه المشركون واليهود والنصارى أشد الإيذاء, ويذوق صنوف البلاء من تكذيب ومجابهة ورد واستهزاء وسخرية وسب وشتم واتهام بالجنون والكهانة والشعر والسحر والافتراء, ويُطرد ويُحارب ويُقتل أصحابه ويُنكل بأتباعه, ويُتهم في زوجته ويذوق أصناف النكبات ويهدد بالغارات ويمر بأزمات, ويجوع ويفتقر ويجرح وتكسر ثنيته ويشج رأسه ويفقد عمه أبا طالب الذي ناصره, وتذهب زوجته خديجة التي واسته, ويحصر في الشعب حتى يأكل هو وأصحابه أوراق الشجر, وتموت بناته في حياته وتسيل روح ابنه إبراهيم بين يديه, ويُغلب في أحد, ويُمزق عمه حمزة, ويتعرض لعدة محاولات اغتيال, ويربط الحجر على بطنه من الجوع ولا يجد أحيانًا خبز الشعير ولا رديء التمر, ويذوق الغصص ويتجرع كأس المعاناة, ويُزلزل مع أصحابه زلزالًا شديدًا وتبلغ قلوبهم الحناجر, وتعكس مقاصده أحيانًا ويبتلى بتيه الجبابرة وصلف المتكبرين وسوء أدب الأعراب وعجب الأغنياء وحقد اليهود ومكر المنافقين وبطء استجابة الناس, ثم تكون العاقبة له والنصر حليفه والفوز رفيقه فيظهر الله دينه وينصر عبده ويهزم الأحزاب وحده ويخذل أعداءه ويكبتهم ويخزيهم, والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وهذا أبو بكر يتحمل الشدائد ويستسهل الصعاب في سبيل دينه وينفق ماله ويبذل جاهه ويقدم الغالي والرخيص في سبيل الله حتى يفوز بلقب الصديق.
وعمر بن الخطاب يضرج بدمائه في المحراب بعد حياة ملؤها الجهاد والبذل والتضحية والزهد والتقشف وإقامة العدل بين الناس.
وعثمان بن عفان ذُبح وهو يتلو القرآن, وذهبت روحه ثمنًا لمبادئه ورسالته.
وعلي بن أبي طالب يُغتال في المسجد بعد مواقف جليلة ومقامات عظيمة من التضحية والنصر والفداء والصدق.
والحسين بن علي يرزقه الله الشهادة ويقتل بسيف الظلم والعدوان.
وسعيد بن حبير العالم الزاهد يقتله الحجاج فيبوء بإثمه.
وابن الزبير يكرمه الله الشهادة في الحرم على يد الحجاج بن يوسف الظالم.
ويُحبس الإمام أحمد بن حنبل في الحق ويُجلد فيصير إمام أهل السنة والجماعة.
ويقتل الواثق الإمام أحمد بن نصر الخزاعي الداعية إلى السنة بقوله كلمة الحق.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يُسجن ويُمنع من أهله وأصحابه وكتبه, فيرفع الله ذكره في العالمين.
وقد جلد الإمام أبو حنيفة من قبل أبو جعفر المنصور.
وجُلد سعيد بن المسيب العالم الرباني, جلده أمير المدينة.
وضرب الإمام بن عبدالله العالم المحدث, ضربه بلا ل بن أبي برده.
ولو ذهبت أعدد من ابتلى بعزل أو سجن أو جلد أو قتل أو أذى لطال المقام ولكثر الكلام, وفيما ذكرت كفاية.
ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
لطائف الله وأن طال المدى كلمحة الطرف إذا الطرف سجى
أتيأس أن ترى فرجًا فأين الله والقدرُ
فما يدوم سرورُ ما سررت به ولا يرد عليك الغائب الحزنُ
أعز مكانٍ في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب
سيكفيك عمن أغلق الباب دونه وظن به الأقوام خبز مقمر
أطعت مطامعي فاستبعدتني ولو أني قنعت لكنت حرا
إن كان عندك يا زمان بقية فما يهان به الكرام مهاتها
لعل الليالي بعد شحط من النوى ستجمعنا في ظل تلك المآلف
قل للذي بصروف الدهر عيَّرنا هل عاند الدهر إلا من له خطر
لا أشرئب إلى ما لم أنل طمعًا ولا أبيت على ما فات حسرانا
دع المقادير تجري في أعنتها ولا تبيتن إلا خالي البال
مابين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال
وأقرب ما يكون المرء من فرج إذا يئسا
ربما أشفى على الآمال يأس والليالي بعدما تجرح بالمكروه تأسو
ولربما كره الفتى أمرًا عواقبه تسره
كم مرة حفت بك المكاره خار لك الله وأنت كاره
من راقب الناس مات همًا وفاز باللذة الجسور
اتخذ الله صاحبًا واترك الناس جانبا
أزمعت يأسًا مقيمًا من نوالكمو ولا يرى طاردًا للحر كاليأس
وفي السماء نجوم لا عداد لها وليس يكسف إلا الشمس والقمرُ
رغيف خبز يابس تأكله في عافيه
وكوز ماء بارد تشربه من صافيه
وغرفة ضيقة نفسك فيها راضيه
ومصحف تدرس مستندًا لساريه
خير من السكنى بأبراج القصور العاليه
وبعد قصر شاهق تصلى بنار حاميه
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
والناس يأتمرون الأمر بينهمو والله في كل يوم محدث شانا
وإني لأرجو الله حتى كأنني أرى بجميل الصبر ما الله صانع
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاوزت ما كان يعرف عرف طيب العود
إني وإن لمت حاسدي فما أنكر أني عقوبة لهمو
عسى الهم الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريبُ
إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق بما به الصدر الرحيبُ
وأوطنت المكاره واطمأنت وأرست في أماكنه الخطوبُ
ولم تر لانكشاف الضر نفعًا وما أجدي بحيلته الأريبُ
أتاك الله على قنوط منك غوث يمن به اللطيف المستجيبُ