وفي قوله عليه الصلاة والسلام:"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".
إن السبيل الوحيد للحافظ على بنية الأمة وتماسكها في عقائدها وأخلاقها، وقيمها ومبادئها هو بإقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق منهاج النبوة دون أن تغرنا جولة الباطل وصولته وبريقه ولمعانه!
فمتى تضافرت الجهود، وحسنت النوايا، وصدقت العزائم، انكمش الشر وانزوى، ثم تلاشى وانطفأ!
واقرأ قوله تعالى:"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون"، وقوله:"فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
كم يخطئ البعض حين يلجأون إلى المقاييس الحسابية، ويعقدون المقارنات الحسية بين الباطل وكثرة سواده، وبين الحق وأهله الغرباء! فاللجأ إلى مثل هذه المقاييس خطأ فادح وغلط كبير، يشلُّ الحركة ويثبط الهمم، ويفتر الحماس ويبعثر الجهود، ويعطل مسيرة البناء.
فالصراع بين الفضيلة والرذيلة لا يخضع أبدًا لتلك المقاييس الأرضية، ولا لهاتيك المعايير الحسية، وإلا لماذا ذاق المسلمون حلاوة النصر في بدر والقادسية وعين جالوت وغيرها من ملاحم أسد الشرى ونمور الورى.
ولو كان الصراع يخضع لحساب العدد والعدة لما خاض داعية غمار الدعوة إلى الله، ولما سابق مصلح في مضمار الذود عن دين الله.
هذا الإمام المجدد شيخ الإسلام - قدس الله روحه- يرفع لواء السلفية في نجد وحيدًا فريدًا يوم كانت نجد بؤرة الإلحاد ومستنقع الوثنية، يوم كانت عبادة القبور على قدم وساق، وتعظيم الأحجار والأشجار، يعصف بما تبقى من عقول الرجال، ويذيب ما عُلِّق بالنفوس من مروءة وحشمة ووقار.
فهل كان أنس -رضي الله عنه- معصومًا، بحيث لا يخطئ أو يفعل خلاف الأولى على أقل تقدير؟ كلا كلا، فأنس - رضي الله عنه- لم يكن معصومًا، بل كان يخطئ قطعًا، وقد يصنع أحيانًا ما لا يعجب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالضرورة! ولكنه لم يسمع عتابًا ولا إنكارًا؛ لأن المسألة شخصية بحتة، تتعلّق بجناب الرسول الكريم فقط، ولا مساس لها بمستقبل الأمة وكيانها، فالتسامح فيها مطلوب، وغضُّ الطرف لمثلها أولى...
لكن إليك - يا رعاك الله- مواقف أخرى، يحمرُّ فيها وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غضبًا حين تقع المخالفة الشرعية، ويجترئ البعض على حدود الله، فيبادر عليه الصلاة والسلام إلى إنكار المنكر في ساعاته الأولى، دون أن يصبر عشر سنين، صبره على أنس -رضي الله عنه- خادمه.
هذه بريرة -رضي الله عنها- أمة ضعيفة مسكينة، يعلن أسيادُها عن رغبتهم في بيعها، فتتقدم عائشة -رضي الله عنها- لشرائها وعتقها على أن يكون الولاء لها، فيأبى الأسياد إلا أن يكون الولاء لهم في تعد مكشوف على شرع الله المطهر ودينه المصون، فماذا تراه صنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟
هل غضَّ الطرف وابتسم في وجوه القوم، ابتسامته للأعرابي يوم جذب معطفه الغليظ فاحمرَّ لجذبته عنقه الطاهر الشريف؟!
لقد صعد المنبر وخطب خطبة عصماء، أنكر المنكر بشجاعة، وصدع بكلمته المشهورة: ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟! أيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، إنما الولاء لمن أعتق!.
لما كل هذا الغضب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ لما كل هذا الغضب؟ والجواب: إن المنكر هذه المرة لا يتعلّق بشخصه الكريم، وإلا لوسعه حلمه العظيم، فقد عود الأمة أن يكون حليمًا في مواقف لا تعد ولا تحصى، ولكن المنكر هذه المرة، يمس التشريع الإسلامي في الصميم، ويصيبه في مقتل، فقد وجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه أمام أناس يريدون أن يجعلوا من أنفسهم مشرعين بسنهم الأنظمة ووضعهم لشروط ما أنزل الله بها من سلطان، فكان إنكاره عليه الصلاة والسلام سريعًا حازمًا، وقويًا حاسمًا.
ولمّا استنفر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه إلى تبوك تخلّف كعب وصاحباه دون مبرر معقول، أو مسوغ مقبول، حتى إذا ما رجع رسول الله بالجيش إلى المدينة إذا به يتخذ موقفه الصلب، وإجراءه الصارم بحق الثلاثة الذين خلفوا، فيأمر بهجرهم، ويُحرِّم محادثتهم، ويفرض حولهم سياجًا منيعًا من العزلة المحكمة! حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، لِم كلُّ هذا؟
والجواب: إن الخطأ الذي ارتكبه هؤلاء الثلاثة- رضي الله عنهم- والمُنكر الذي اقترفوه له مساسٌ بكيان الدولة برمتها، وكان يمكن أن يؤثر سلبًا في نفسيات الجيش المتجه لمقارعة جيش يفوقه عددًا وعدّة، وذلك أمر لا يخضع أبدًا للأمزجة الشخصية، أو للأهواء النفسية، فكانت النتيجة ما سمعت.
والسلام.
(*) عضو هيئة ا لتدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية