فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
هذا التسامح الشامل والعميق في موضوع حرية الدين والعقيدة للإسلام لم يكن محصورًا فيمن دخلوا تحت حمايته من أهل الأديان الأخرى، بل راقب مدى تطبيق هذه القواعد والقيم في العالم أجمع، وهرع إلى نجدة المظلومين والمغدورين وساعدهم ومد يد المعونة للمحتاجين، وحاول إقامة العدل في كل مكان. والأكثر من هذا ان صراعه المادي كان مطبوعًا بطابع الحفاظ على الناس من الإكراه ومن استعمال العنف ضدهم. فقد وقف ضد إكراه الضمائر في كل مكان استطاع الوصول إليه، وهيأ الأساس لقبول الإيمان برضا القلب، وذلك بعقد الاتفاقيات أحيانا أو بالتدخل - عندما كان قادرًا على ذلك - بمفرده لإنقاذ بعض الأمم المظلومة التي كانت تتعرض إلى إكراه وعنف لتبديل دينها أو فكرها أو فلسفتها خلاف رضاها، ومنع استعمال جميع أعمال الإجبار والإكراه ضدها، وجعلها حرة في اختيار دينها وطريقها في الحياة ونوع إدارتها، بشرط ألا تقوم بإيذاء الآخرين، وأصبح قوة ضامنة في هذا المجال. وقد أدى هذا إلى تأمين الأمن والسلام العام والطمأنينة للأمم المختلفة المنضوية تحت لوائه، وبتأمين احترام الرسالات التي بعث من أجلها الأنبياء، وقبل الآخرين بكل توقير، وكان هذا شيئًا مهمًا للغاية.
إن ما يَعِدُه الإسلام للإنسانية من ناحية الحرية الدينية والوجدانية صريح وواضح جدًا لكل عين... ويكفي هنا إلقاء نظرة عاجلة على التاريخ. إن الحرية الدينية والوجدانية التي أعطاها الرسول صلى الله عليه وسلم للأقليات الدينية المنضوية تحت رعايته وطُبِّقت بكل حساسية في عهد الخلفاء الراشدين، ولم ينحرف أحد عنها قيد أنملة. ثم روعيت هذه الناحية رعاية تامة في العهود التي تلت ذلك العهد. ففي العهد الأموي الذي تلا عهد الراشدين - عهد النور- وفي العهد العباسي وما بعده، وفي العهد العثماني قام الحكام المسلمون - إذا استثنينا حالات نادرة جدًا - بتأمين حرية العقيدة للأقليات وحرية عيش هذه العقيدة وإقامة شعائرها دون أي موانع أو عقبات والسماح لها بتأسيس جمعيات وأوقاف مختلفة لتعليم أطفالها عقائدها والمحافظة على كيانها وتعمير بيوت عبادتها من كنائس وبيع وبناء الجديد منها. أي أن هذه الأقليات استفادت فائدة كاملة من جميع حقوق المواطنة، ولم يطلب منها أي شيء خارج رعاية القوانين والأنظمة السارية في البلد. وبعد العهد الأموي والعباسي يعد مسلمو الأندلس والعثمانيون أمثلة مشرقة في هذا الخصوص.
لقد أكسب هؤلاء المسلمون الغرب الشيء الكثير في مجال العلم والمعرفة، وفتحوا أمامه الطرق المؤدية إلى عصر النهضة، وكانوا من أوائل بناة محاسن المدنية وفضائلها، والمعماريين الأول لها. وقد سجل التاريخ لهم هذا الفضل. فقد عاشوا دينهم ولم يتعرضوا لدين أحد ولا للغته، وأظهروا إدارة لا تجد لها نظيرًا إلا في أدب المدن الفاضلة (الاوتوبيا) ، ولكن كم كان مؤلمًا أنه عندما سقطت دولة هؤلاء الذين أغرقوا العالم في النور وتهدمت تعرضوا لسيوف الصليبيين وذبحوا ولم تُعط لأي فرد منهم حرية العيش في بلدهم. كما ارتكبت مظالم فظيعة في معظم البلدان الإسلامية - التي تعرضت للاحتلال- بدءًا من بلدان البلقان إلى بلدان شمالي أفريقيا والمغرب ومصر. فمقابل سماحة المسلمين وشهامتهم قامت القوات المحتلة بسحق أهالي المنطقة واستغلالهم ونهب خيراتهم والتدخل في شؤون إدارتهم حيث أقامت عملاء لها حكامًا على هذه البلدان، أو قامت بفرض الحصار عليهم ولم توقر على الإطلاق حرية الدين والعقيدة.
وأنا أعتقد أن كل هذه الأمور تشكل أمثلة واضحة وجيدة على الفرق الموجود بين هاتين الحضارتين في موضوع حرية الدين والوجدان. وأنا أعلم بأنه عندما نقوم بتقييم أناس عهد معين فلا فائدة من وضع عناصر جديدة للخصام، أو إثارة حساسيات جديدة. ولكن عندما نبين محاسن مدنية ما ومساوئ مدنية أخرى فمن الضروري تسليط الأضواء على الفروق بينهما، كما أن من الواجب علينا القيام بالتذكير بهذا الأمر عندما نرى أن الذين أساءوا وظلموا في العهود السابقة يقومون الآن بتكرار المظالم نفسها. وعندما نقوم بالتذكير بهذا الأمر فلا ندري هل يكون هذا مفيدًا في جعل الظالمين من ذوي الأرواح البدائية والوحشية في الداخل والخارج الذين لا يقرون بحرية الفكر والوجدان يكفون عن هذا ويرتدعون أم لا. ولكني متأكد أنها مسؤولية لا بد من أدائها.