فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ونسي أو تناسى الكثيرون أن الإصلاح هو مصطلح إسلامي ورد ذكره في القرآن الكريم"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت". ولدى دراسة معمقة في تاريخ الإمام الشهيد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، يتبين أنه كان رائدًا من رواد الحركة الإصلاحية المعاصرة، وأنه وعلى الرغم من استشهاده في سن مبكرة، وفي ريعان الشباب، وقمة العطاء، طرح نظرات واجتهادات متقدمة جدًا، وجدت ضرورة طرحها للأجيال الحالية في هذه المقالة المركزة والمكثفة.
من هو حسن البنا
إنه حسن بن أحمد عبد الرحمن الساعاتي المعروف بحسن البنا، ولد في قرية المحمودية من مديرية البحيرة في مطلع القرن العشرين الميلادي عام 1906. أكمل تحصيله الابتدائي والمتوسط في بلدته، ودرس بمعهد المعلمين في مدينة دمنهور، وتتلمذ على والده الشيخ أحمد عبد الرحمن، الرجل الصالح، والمحدث الكبير، صاحب شرح وتحقيق المسند لأحمد بن حنبل، وعلى عدد من الشيوخ، فأخذ من التصوف الزهد وتطهير النفس وتزكيتها، وتنقية القلب من العلل والشوائب، كما أخذ من السلفية الطريقة والاتباع مبرأة من الجمود والجفوة والتطاول على العارفين وذوي الصلاح، وعندما التحق بدار العلوم في القاهرة نال شهادتها وكان الأول بين طلابها.
في مدينة الإسماعيلية التي باشر مهنة التعليم في مدارسها، شرع بوضع الأسس في بناء كبرى الحركات الإسلامية عام 1928م الموافق 1347هـ، ولما يحصل على مكثه في الإسماعيلية عام واحد، إذ تضافرت عوامل عدة في تكوين شخصيته القيادية الفريدة فقد حباه الله تعالى عقلًا راجحًا، وذكاءً حادًا، وبديهة حاضرة، وقلبًا كبيرًا يسع المحسن والمسيء، وإحساسًا مرهفًا، وذاكرة عجيبة، وفراسة تنظر بنور الله، وكان مفتاح شخصيته الزهد ونكران الذات، والخروج من سلطان الدنيا، وتحرره من التفكير بها، أو الاهتمام بشأنها أو متاعها. ذكر من دخلوا منزله أنهم شاهدوا صورة من الزهد تذكر بما كان عليه العارفون الكبار من أمثال الإمام أحمد بن حنبل (1) .
لقد كانت تجربته المبكرة، ومشاهداته المثيرة عاملًا حاسمًا في وضوح الرؤية، وتحديد الهدف لديه، فقد راعه ما رآه في أوساط الشيوخ من انقسام وصراع، واستفزته رؤية المعسكرات البريطانية جاثمة على صدر الوطن، وآلمه تفشي البؤس والفقر والحرمان في السواد الأعظم من المصريين لحساب المستعمر والملاكين الكبار والشركات الأجنبية، كما راعه تخاذل القصر والأحزاب السياسية أمام العدو المحتل، فشرع بوضع نظريات العمل الإسلامي، وأطلق الشعارات، وحدد الغايات، ورسم الخطط، وشرع في مخاطبة الشعب وتوعية الجماهير وبناء التنظيم، وهو دون الخامسة والعشرين، وكتب رسائله كالمتون في اختصارها ودقتها، فجاءت أعماله من حيث النضج والاكتمال في بدايتها مثلها في نهايتها.
كان رحمه الله يملك جاذبية لا تقاوم في ذلاقة اللسان، وسحر البيان، والاستشهاد بآي القرآن، فإذا بالإسماعيلية مركز القيادة للجيوش البريطانية المحتلة تصبح قلعة المقاومة، وحصن الجهاد، وموئل الأبطال من أمثال شيخ الفدائيين يوسف طلعت، وقائد المجاهدين محمد فرغلي رحمهما الله وأعلى مقامهما.
انتقل الإمام حسن البنا إلى القاهرة عام 1932 لتكون مقرًا لقيادة التنظيم، وسرعان ما أثمرت حركته رحمه الله قطوفًا يانعة، فسددت لها حكومة حسين سري أولى الضربات فانتشرت في القطر المصري من أدناه إلى أقصاه، ودخلت بيوت المثقفين والموظفين والعمال والفلاحين، فعاجلتها حكومة السعديين برئاسة إبراهيم عبد الهادي بضربة قاسية عام 1948، فجاءت ردة الفعل اتساع دائرتها لتصل إلى الأقطار العربية، وعندما قررت حكومة جمال عبد الناصر القضاء المبرم عليها عام 1954 ورفعت قيادتها وعلماءها على أعواد المشانق، وأعربت جميع القوى الكبرى في العالم على لسان صحفها عن ارتياحها وسعادتها (2) كانت النتيجة وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى جميع أنحاء العالم، ودخولها القارات الخمس وانتشارها في أكثر من خمسين بلدًا، وكذلك في أوساط الأقليات والجاليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا وجميع بقاع العالم.
لسنا بصدد دراسة شافية عن الإمام حسن البنا في هذه الكلمة، فهذا يحتاج إلى مجلدات، والرجل متعدد الجوانب والمواهب، بيد أن إلمامة سريعة عن شخصية وأفكاره، وبعد نظره في أمور كثيرة وخطيرة لا بد منها، باعتباره مؤسسًا وقائدًا لكبرى الحركات والجماعات الإسلامية في العصر الحديث.
حسن البنا واحد من العمالقة الكبار في هذا العصر، جدد للأمة الإسلامية دينها، وأحيا آمالها، وأيقظها من سباتها، وأسمعت صيحته أرجاءها، أسس كبرى الجماعات الإسلامية في القرن العشرين الميلادي (الرابع عشر الهجري) ، وأنشأ جيلًا بل أجيالًا صلبة عازمة على التغيير والتحرير والنهوض الكبير، وانتقل بالعمل الإسلامي من حيز النظريات والفرضيات إلى سوح الجهاد والبناء، وأعطى من نفسه القدوة في العطاء والفداء، والإخلاص والتجرد ونكران الذات.
نظرات في منهاجه الإصلاحي