ونختم بنقول من كتاب (حضارة العرب) لغوستاف لوبون يقول:"إن حضارة العرب المسلمين قد أدخلت الأمم الأوربية الوحشية في عالم الإنسانية ، فلقد كان العرب أساتذتنا … وإن جامعات الغرب لم تعرف لها موردًا علميًا سوى مؤلفات العرب ، فهم الذين مدّنوا أوربة مادة وعقلًا وأخلاقًا ، والتاريخ لا يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه … إن أوربة مَدينة للعرب بحضارتها … والحق إن أتباع محمد كانوا يذلّوننا بأفضلية حضارتهم السابقة ، وإننا لم نتحرر من عقدتنا إلا بالأمس ! وإن العرب هم أول من علّم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين … فهم الذين علّموا الشعوب النصرانية وإن شئت فقل حاولوا أن يعلموها التسامح الذي هو أثمن صفات الإنسان … ولقد كانت أخلاق المسلمين في أدوار الإسلام الأولى أرقى كثيرًا من أخلاق أمم الأرض قاطبة …" (16) .
إن القفزة الحضارية الهائلة التي سجّلتها أمتنا الإسلامية ، يمكنها أن تعود ، وأن تتكرر من جديد ، بشرط واحد هو أن نريد بإذن الله ، فالإمكان الحضاري الذي تهبنا إياه القيم المعصومة في الكتاب والسنة والسيرة ، ليس ببعيد على من يريده ويسعى إليه ، وقد بدأت تتفتح أزهار الانتصار العاطفي للإسلام في ضمير الأمة ، ولم يبقَ إلا أن تتعمق جذور الوعي كي تثمر هذه الأزهار . ويقع عبء التوعية أولًا على كاهل النخبة المخلصة المتخصصة المؤتَمنة على إيصال صوت نبيها إلى العالم … وهؤلاء هم (أولو الألباب) الذين مزجوا الحق بالصواب ، والذين باعوا أعمارهم وجهودهم وطاقاتِهم لله تعالى ، فربحوا مرتين إذ البضاعة منه والثمن !"إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم بأنّ لهم الجنة" (17) .
وإن الحضارة في صعود ، إذ كانت النخبة المبدعة المؤمنة هي التي تقود ، ومن بعد النخبة يأتي دور الأمة ، ليقوم كل مسلم بدوره في عملية النهوض الحضاري وإن أول عمل حضاري في تاريخ الإسلام وهو بناء المسجد ، قد شاركت فيه عزائم كل المسلمين ، بقيادة نبيهم الأمين ، وكذلك الأمر في حفر الخندق إذ كان الصحابة كلهم على أمرٍٍ جامع ، وإن الحضارة لن تنجم إلا عن تجمع آلاف الجهود الصغيرة النافعة ، والنهر المتدفق هو قطرات ماء تآخت ثم وجدت طريقها .
إن على كل مسلم أن يقوم بدوره في عملية البناء الحضاري للأمة ، وإن كل مسلم مدعوّ إلى نزهة القمم ، فعليه أن يُنَزِّه نفسه عن وهدة السفوح . فأمام المسلم اليوم خياران: إما أن يسعى إلى تغيير نفسه ليتغيّر العالم ، وإما أن يُغيّر اسمه .
ربنا هب عوامنا العلم ، وعلماءنا العمل … وعاملينا الإخلاص ، وهب مخلصينا السداد والتميز في النجاح .
"من كتاب"ربحت محمدا ولم أخسر المسيح""
(1) عن (الإسلام والمبادئ المستوردة) د. عبد المنعم النمر (84) .
(2) (شمس الله تسطع على الغرب) ص (148 - 269 - 315 - 354) .
(3) نفسه ص (370) .
(4) (بناء الإنسانية) رويلت بريفولت نقلًا عن (مقدمات العلوم والمناهج) أنور الجندي ، مجلد4 ص (710) .
(5) عن (أخطر ما تواصى به المسلمون عبر الأجيال) أنور الجندي (16) .
(6) (الإسلام على مفترق الطرق ) محمد أسد (40) .
(7) هنري شامبون عن (الإسلام والمبادئ المستوردة) د.عبد المنعم النمر (84) .
(8) المستشرق روم لاندو في (الإسلام والعرب) ص (9-246) .
(9) نقلًا عن كتاب (هكذا كانوا … يوم كنا) د. حسان شمسي باشا (83) .
(10) الفيلسوف نيتشه عن ( ظلام من الغرب) للعلامة محمد الغزالي (140) .
(11) نقلًا عن (هكذا كانوا يوم كنا) د. حسان شمسي باشا ص (8) .
(12) عن (مقدمات العلوم والمناهج) أنور الجندي - مجلد 7 ص (141) .
(13) عن (هكذا كانوا يوم كنا) د. حسان شمسي باشا (9) .
(14) عن (تشكيل العقل المسلم) د. عماد الدين خليل (94) .
(15) عن (مقدمات العلوم والمناهج) أنور الجندي ( 8 / 173) .
(16) (حضارة العرب) غوستاف لوبون ص (26 - 276 - 430 - 566) .
(17) قرآن كريم (سورة التوبة - 111) .