فهرس الكتاب

الصفحة 14724 من 27345

أيها المؤمنون؛ إن لهذا الكتاب العظيم حقوقًا كثيرة وواجبات عديدة، فاتقوا الله عباد الله وقوموا بحقوقه وواجباته، فمن حقوقه أيها المؤمنون، وجوب الفرح به، فكتاب الله المجيد خير ما يفرح به، قال الله - تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (75) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" (9) قال أبو سعيد - رضي الله عنه - في هذه الآية: (( فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله ) )ومقتضى هذا الفرح يا عباد الله هو تعظيم هذا الكتاب، وإيثاره على غيره، فإنه والله خير من كل ما يجمعه الناس من أعراض الدنيا وزينتها.

أيها المؤمنون؛ إن من حقوق هذا الكتاب المجيد تلاوته، قال - تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) ليُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ" (10) وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (( اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه ) ) (11) رواه مسلم فحافظوا أيها المؤمنون على تلاوة القرآن، واستكثروا من ذلك، فإن تلاوة القرآن تجلو القلوب وتطهرها وتزكيها، وتحمل المرء على فعل الطاعات، وترك المنكرات، وترغبه فيما عند الله رب البريات.

أيها المؤمنون، إن من حقوق هذا الكتاب العظيم والفرقان المبين تدبر معانيه، قال الله - تعالى:"كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (12) وقد ذم الله - تعالى -المعرضين عن تدبر كتابه فقال - جل وعلا:"أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" (13) فاتقوا الله عباد الله وتدبروا كتابه العظيم، فإنه لا يحصل الانتفاع بالقرآن إلا لمن جمع قلبه عند تلاوته وسماعه، واستشعر أنه خطاب ربه - جل وعلا - إلى رسوله، وقد جاء عن بعض السلف - رحمهم الله - أنهم كانوا يقيمون الليل بآية واحدة يرددونها ويتدبرون ما فيها.

أيها المؤمنون؛ إن من حق هذا القرآن المجيد تعظيمه وإجلاله وتوقيره، فإنه كلام ربنا العظيم الجليل، وقد أجمع العلماء على وجوب تعظيم القرآن العزيز، وتنزيهه، وصيانته، فمن استخف بالقرآن أو استهزأ به أو بشيء منه فقد كفر بالله العظيم، وهو كافر بإجماع المسلمين، فعظموا هذا الكتاب يا عباد الله، واحفظوه من عبث العابثين.

عباد الله، وإن من تعظيمه أن لا يمس القرآن إلا طاهر - أي متوضىء -، ولا يقرأه جنب - أي من كانت عليه جنابة -، ولا يجوز استدباره أو مدّ الرِّجل إليه، أو وضعه حيث يمتهن، فاتقوا الله وعظموا كتابه:"ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ" (14) .

أيها المؤمنون؛ إن من حقوق هذا الكتاب الاستمساك به كما أمر الله - تعالى - بذلك نبيه فقال - تعالى:"فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (15) والاستمساك به يكون باتباعه، بإحلال حلاله وتحريم حرامه، والاقتداء به، والتحاكم إليه، وعدم الكفر بشيء منه كما قال - تعالى:"اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ" (16) فاتقوا الله عباد الله وتمسكوا بكتاب ربكم تمسكًا صادقًا ترى آثاره في أعمالكم وأقوالكم وأخلاقكم، وأقبلوا عليه تلاوة وحفظًا وتدبرًا وفكرًا وعلمًا وعملًا، فإنه من اعتصم به فقد هدي، فاعتصموا بحبل الله جميعًا أيها المؤمنون.

(1) الجن: 1-2.

(2) الشورى: 52.

(3) الأنعام: 122.

(4) التغابن: 8.

(5) المائدة: 15- 16.

(6) الفرقان: 1.

(7) يونس: 57.

(8) الزمر: 23.

(9) يونس: 57 - 58

(10) فاطر: 29 -30.

(11) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها من حديث أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - برقم 804.

(12) ص: 29.

(13) محمد: 24.

(14) الحج: 32.

(15) الزخرف:43.

(16) الأعراف: 3. ... ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت