فهرس الكتاب

الصفحة 14814 من 27345

فاندفع به قول الزركشي أن التعبير به يشمل الجنون والإغماء لأنهما مفسدان للعقل أيضا فظهر بما تقرر صحة قول الفقيه المذكور في السؤال إنها مخدرة وبطلان قول من نازعه في ذلك لكن إن كان لجهله عذر وبعد أن يطلع على ما ذكرناه عن العلماء متى زعم حلها , أو عدم تخديرها وإسكارها يعزر التعزير البليغ الزاجر له ولأمثاله بل قال ابن تيمية وأقره أهل مذهبه من زعم حل الحشيشة كفر فليحذر الإنسان من الوقوع في هذه الورطة عند أئمة هذا المذهب المعظم وعجيب ممن خاطر باستعمال الجوزة مع علمه بما ذكرناه فيها من المفاسد والإثم لأغراضه الفاسدة على تلك الأغراض التي يحصل جميعها بغيرها .

فقد صرح رئيس الأطباء ابن سينا في قانونه بأنه يقوم مقامها وزنها ونصف وزنها من السنبل فمن كان يستعمل منها قدرا ما ثم استعمل وزنه ونصف وزنه من السنبل حصلت له جميع أغراضه مع السلامة عن الإثم والتعرض لعقاب الله سبحانه وتعالى على أن فيها بعض مضار بالرئة ذكرها بعض الأطباء وقد خلي السنبل عن تلك المضار وقد حصل به مقصودها وزاد عليها بالسلامة من مضارها الدنيوية والأخروية والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب (2) .

قال الطحطاوي رحمه الله تعالى"وصرح ابن حجر المكي بتحريم جوزة الطيب بإجماع الأئمة الأربعة ."

ولعل حكاية الإجماع محمولة على حالة السكر" (3) ."

وجاء في حاشية ابن عابدين"ومثل الحشيشة في الحرمة جوزة الطيب فقد أفتى كثير من علماء الشافعية بحرمتها , وممن صرح بذلك منهم ابن حجر نزيل مكة في فتاواه والشيخ كمال الدين بن أبي شريف في رسالة وضعها في ذلك , وأفتى بحرمتها الأقصراوي من أصحابنا , وقفت على ذلك بخطه الشريف لكن قال حرمتها دون حرمة الحشيش (4) "

وقد رخص بعض العلماء باستخدام القليل منها مما لا يضر استخدامه قال ابن فرحون: وأما العقاقير الهندية فإن أكلت لما تؤكل له الحشيشة امتنع أكلها , وإن أكلت للهضم وغيره من المنافع لم تحرم ولا يحرم منها إلا ما أفسد العقل وذكر قبل هذا أن الجوزة وكثير الزعفران والبنج والسيكران من المفسدات , قليلها جائز وحكمها الطهارة .

وقال البرزلي: أجاز بعض أئمتنا أكل القليل من جوزة الطيب لتسخين الدماغ واشترط بعضهم أن تختلط مع الأدوية , والصواب العموم (5)

وسئل الشيخ الرملي رحمه الله تعالى عن أكل جوز الطيب هل يجوز أو لا ؟ ( فأجاب ) نعم يجوز إن كان قليلا , ويحرم إن كان كثيرا . (6)

وقال الطيب آبادي رحمه الله تعالى"وأما الجوز الطيب والبسباسة والعود الهندي فهذه كلها ليس فيها سكر أيضًا وإنما في بعضها التفتير، وفي بعضها التخدير، ولا ريب أن كل ما أسكر كثيره فقليله حرام سواء كان مفردًا أو مختلطًا بغيره، وسواء كان يقوى على الإسكار بعد الخلط أو لا يقوى، فكل هذه الأشياء الستة ليس من جنس المسكرات قطعًا بل بعضها ليس من جنس المفترات ولا المخدرات على التحقيق، وإنما بعضها من جنس المفترات على رأي البعض ومن جنس المضار على رأي البعض، فلا يحرم قليله سواء يؤكل مفردًا أو يستهلك في الطعام أو في الأدوية. نعم أن يؤكل المقدار الزائد الذي يحصل به التفتير لا يجوز أكله لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مفتر ولم يقل إن كل ما أفتر كثيره فقليله حرام."

فنقول على الوجه الذي قاله صلى الله عليه وسلم ولا نحدث من قبلي شيئًا، فالتحريم للتفتير لا لنفس المفتر فيجوز قليله الذي لا يفتر (7)

وعلى كل حال فإن ثبت أن هذه الجوزة تشتمل على مواد مسكرة أو مفترة وهذا يقرره أهل الاختصاص فإنها محرمة لحديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت: نهى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن كل مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ . (8)

وعن جَابِرِ بن عبد اللَّهِ رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( ما أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ) (9) ، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره ) (10)

لذا فالذي ينبغي ترك هذه المادة حتى ثبوت خلوها مما ذكرته فعن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ رضي الله عنه قال سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول ( إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ من الناس فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فيه ) (11) .

والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

1.... ( انظر: المغرب في ترتيب المعرب وجامع الأدوية لابن البيطار حرف الجيم )

2.... الفتاوى الفقهية 4/229 الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/354

3.... حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح 1/363 وانظر حاشية البجيرمي على الخطيب 1/104 سبل السلام 2/451

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت