فهرس الكتاب

الصفحة 14874 من 27345

ثانيًا: لو كان فهمهم للآية فهمًا صحيحًا ، لكان لهم سلف في ذلك ، خاصة في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فهم أحرص الناس على الإتباع والقيام بما أوجب الله سبحانه حق القيام،خاصة وأن الآية مدنية أي نزلت في المدينة المنورة في ظل حكم إسلامي ، وهذا ما لم يثبت عنهم لا بدليل صحيح ، ولا بدليل ضعيف ،فلم يقم الصحابة رضي الله تعالى عنهم حزبًا أو أحزابًا بعد نزول الآية الكريمة ، بل لم ينقل عن أحدهم أن المراد بالآية إقامة حزب أو أحزاب سياسية أو منهجية ، وهذا واضح للغاية ، ولا يقال: إن الصحابة لم يفعلوا ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم ،إذ إن العبرة في عموم الأمر ، بل الأمر ابتداء موجه إلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم والناس تبع لهم وما كان واجبًا على الصحابة فهو واجب على سائر الأمة ، وما كان واجبًا على الأمة فهو واجب على الصحابة ، فلا فرق بيننا وبين الصحابة رضي الله تعالى عنهم من حيث التزام أحكام الله سبحانه ، وكذلك لا يقال: إن الصحابة لم يفعلوا ذلك لوجود الدولة الإسلامية . وهذا القول أيضًا لا يخفى ضعفه ، فإن الآية نزلت في المدينة المنورة أي في ظل الدولة الإسلامية وهي عامة لا تخصص بزمان ،ويدلنا على هذا القول ما تعلق بالآية الكريمة من أحكام شرعية ، وهي الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ولا أظن أحدًا من المسلمين يقول: إن هذه الأعمال لا تجب إلا في ظل الخلافة الإسلامية ، وعليه يكون مذهبهم مذهبًا محدثًا قام على غير أصول يعتد بها لذا فهو يندرج تحت محدثات الأمور .

ثالثًا: إن القول بوجوب تعدد الأحزاب في الأمة الإسلامية مخالف لقواعد الشريعة الآمرة بوجوب التوحد ، ويتضح ذلك من عموم الأدلة الدالة على ذلك منها قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) . (102) آل عمران

وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ ) .3 الصف وقال سبحانه: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون) .َ9 )) .الحجرات

وقال:: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا ) . متفق على صحته من حديث أبي موسى الأشعري . وروى البخاري و مسلم من طريق زكريا عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد . إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) . وفي رواية عند مسلم ( المسلمون كرجل واحد . إن اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله ) .

فهذه الأحاديث دليل واضح على وجوب وحدة الأمة ،وهي دليل أيضًا على تحريم كل الأمور التي تحول دون الوحدة الكاملة ،فإن تمثيل الرسول المؤمنين بالجسد الواحد وكذلك بالبنيان الذي يشد بعضه بعضًا ،لدليل ما بعده دليل على حرمة التباغض والتدابر ، وقد حرص كل الحرص على توثيق الأخوة الإيمانية بين المسلمين ليكونوا أمة واحدة متعاضدة متراحمة ، على خلاف ما هي عليه اليوم من التباغض والتدابر ، ولا شك أن تعدد الأحزاب في الأمة يسهم إسهامًا كبيرًا في تفرقها وعدم وحدتها ، بل وفي تخالف قلوبها وتشتيت جهودها ،وقد وصف الله سبحانه المؤمنين بأعظم صفات التلاحم والتوافق والتآخي فقال سبحانه: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) . (29) الفتح وقال سبحانه: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) . (63) الأنفال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت