فهرس الكتاب

الصفحة 1492 من 27345

فاستجبت واستكنت، وأقبل الرجل يدلكني دلكًا شديدًا وأنا أنظر هل تساقط لحمي، هل تناثر جلدي، فلا أجد إلا خيرًا فأزمعت شكره لولا أني وجدته يتغفلني فيمد يده تحت الإزار إلى فخذي، فيدلكه ويقرصه، فقلت هذا ماجن خبيث، ولو ترك من شره أحد لتركني، ولصرفته عني شيبتي، وهممت بهشم أنفه وهتم أسنانه، ولحظ ذلك صاحبي فهمس في أذني أنه ينظفك وكذلك يصنع مع الناس كلهم، فلما انتهى وصب عليّ الماء، شعرت والله كأنما نشطت من عقال، وأحسست الزهو والخفة، فصحت فأنكرت صوتي فقلت: ما هذا، أينطق لساني مغنٍ من الجن؟ وأعدت الصيحة فازددت لصوتي إنكارًا. واستخفني الطرب، فجعلت أغني وأحدو، فقال صاحبي: لعلك استطبت صوتك؟

قلت: أي والله. قال: أفأدلك على باب القاضي؟

قلت: وما أصنع في باب القاضي؟ قال: ألا تعرف قصة جحا؟

قلت: لا والله، ما أعرف جحا ولا قصته.

قال: كان جحا عالمًا نحريرًا، وأستاذًا كبيرًا، لكن كان فيه فضائل نادرة، وكان خفيف الروح، فدخل الحمام مرة فغنى فأعجبه صوته -وكان أقبح رجل صوتًا- وراقه حسنه، فخرج من فوره إلى القاضي، فسأله أن ينصبه مؤذنًا وزعم أن له صوتًا لا يدخل أذنًا إلاّ حمل صاحبها حملًا فوضعه في المسجد... فقال القاضي: اصعد المنارة فأذن نسمع.

فلما صعد فأذّن، لم يبق في المسجد رجل إلا فر هاربًا. فقال له القاضي: أي صوت هذا، هذا الصوت الذي ذكره ربنا في الكتاب:

قال: أصلح الله القاضي، ما يمنعك أن تبني لي فوق المئذنة حمامًا؟!..

ولمح الأعرابي صديقًا له من أعراب نجد، قد مرّ من أمام القهوة، فقطع عليّ الحديث وخرج مهرولًا يلحق به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت