فهرس الكتاب

الصفحة 15019 من 27345

ومما يخالف فيه الجنب الحائض أن الجنب يصح صيامه بخلاف الحائض. كما يختلف الحدثان ( الجنابة والحيض) في الاغتسال منهما، فمن عليه جنابة لابد من تعميم الماء على جميع جسده وشعره فإن تحت كل شعرة جنابة، أما الحائض عند الاغتسال منه فلا يلزمها نقض شعر رأسها بل يكفيها أن تحثو عليه ثلاث حثيات من الماء، وأيضًا فإن من عليه جنابة فرفع حدثه بيده متى شاء اغتسل.

أما المرأة الحائض فرفغ حدثها أو ابتداؤه ليس إليها لحديث"إن حيضتك ليست بيدك"فحدثها قد يطول، حيث أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا من الشهر، وهذا معنى الحديث الصحيح في نقصان دين المرأة: أنها ( تجلس شطر دهرها لا تصلي) فمنع الحائض من قراءة القرآن ودخول المسجد للتعليم والتعلم يتسبب في حرمانها من خير كثير طوال نصف عمرها الزمني.

-وتأسيسًا على ما سبق فإن الجنب والحائض على وجه الخصوص لا يجوز منعهما من دخول المسجد لسماع المواعظ وحضور الدروس والندوات والمحاضرات العلمية النافعة، ومنع الحائض من ذلك قد يسبب لها نسيان ما حفظته من القرآن، ويحرمها من طلب العلم النافع علاوة على ما فيه من كسر خاطرها، وكبح همم وعزائم ذوات النبوغ من النساء.

-ثم إذا أبيح للجنب دخول المسجد للحاجة كما لو كان في سفر (إلا عابري سبيل ...) فإن الحائض أشد منه حاجة، كأن يطلبها عدو لأخذ مالها أو التحرش بها جنسيًا فلها أن تدخل المسجد وتمكث فيه، والقاعدة الشرعية تقول: ( الحاجة تنزل منزلة الضرورة عند الانتفاء) ، وطلب العلم في المسجد إن لم يكن بالفعل فرض عين تدعو إليه الضرورة لإحياء رسالة المسجد للمسلمين جميعًا، فلا أقل أن يكون حاجة تنزل منزلة الضرورة.

-وإذا كانت العلة من منع الحائض من دخول المسجد والمكث فيه للحاجة عند من يقول بالمنع هي خوف تلويثه بالنجاسة (الدم) فإن وسائل النظافة والتحفظ عند النساء اليوم أكثر منه في زمان مضى، حيث تتحفظ المرأة في بيتها - فضلًا عن المسجد- لا يلحق الدم مهما عظم شيئًا من ملابسها، ثم إن المستحاضة (غير الحائض) تصوم وتصلي وتشهد مجامع الخير ولو خرج منها الدم. فقد جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة، قالت:"اعتكف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطست تحتها من الدم"فإن كانت علة المنع للحائض هي التلويث للمسجد فهي نفسها في دم الاستحاضة، وليست مساجدنا بأفضل من مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بل حاجة نساء اليوم إلى طلب العلم الشرعي وتوخي سبله النافعة - أشد من حاجة نساء الأمس وأمهات المؤمنين خاصة.

-وثبت من حديث أم عطية في الصحيحين أنها قالت:"أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في العيدين أن نخرج العواتق والحيض ليشهدن الخير ودعوة المسلمين ويجتنبن الحيض المصلى) فكأن اجتناب النساء الحيض للمصلى مخافة التلويث بالدم النجس، وسبق أن أجبنا عن هذه العلة المدعاة، أما التعليل في خروجهن إلى صلاة العيدين فقد نص عليه بالحديث (ليشهدن الخير ودعوة المسلمين) من سماع الخطبة والموعظة والتأمين على الدعاء ونحو ذلك، وهذا هو عين الموجود في الدروس العلمية المقامة في المسجد من الرجال والنساء طوال العام، وفي شتى الفنون العلمية النافعة."

ثم إن منع الحيض من حضور مثل هذه الدروس والحلقات العلمية لا يتفق مع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم-"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات"أي بثياب العادة دون زينة أو طيب، بل في بعض روايات حديث أم عطية السابقة أنها سألت عن مثل هذا الخروج أهو عزيمة أو رخصة، حين قالت ( أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب ألا تخرج؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مشيرًا إلى أن الخروج في مثل هذه الحال هو أشبه بالعزيمة قال"لتلبسها صاحبتها من جلبابها"قال الحافظ ابن رجب في شرحه لصحيح البخاري"الأظهر أن أمر الحيض باعتزال المصلى إنما هو حال الصلاة ليتسع المصلى على النساء الطاهرات مكان صلاتهن، ثم يختلطن بهن في سماع الخطبة"والنهي عن تلويث المسجد بدم الحيض أو دم الاستحاضة على السواء، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح حديث المستحاضة التي اعتكفت مع الرسول - صلى الله عليه وسلم:"فيه جواز مكث المستحاضة في المسجد، وصحة اعتكافها وصلاتها وجواز حدثها في المسجد عند أمن التلويث، ويلتحق بها دائم الحدث ومن به جرح يسيل"وقال ابن الملقن في شرحه لعمدة الأحكام:"أُمر الحيّض باعتزال مصلى المسلمين ليس للتحريم، بل إما مبالغة في التنزيه لمحل العبادة، أو لكراهة جلوس من لا يصلي مع المصلين في محل واحد في حال إقامة الصلاة، أو هو للاحتراز وصيانتهن من مقاربة الرجال من غير حاجة ولا صلاة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت