وقد أظهر الشيخ العبيكان -وفقه الله- رأيه في البيان في لقاء له مع جريدة المدينة الصادرة يوم الثلاثاء 26/9/1425 العدد (15175) .
ونشر هذا اللقاء بعنوان: الدعاة ال26 يعرضون أهل العراق للهلاك والدمار وكأنهم يريدون بقاء المحتل .
وقد أثار الشيخ في هذا اللقاء المنشور أمورًا عدة، وسأذكر بعضها مرتبة مع مناقشتها على النحو الآتي:
· يصف الشيخ العبيكان -وفقه الله- الدعاة الموقعين على البيان بأنهم يريدون تأجيج الفتنة في العراق واستمرار بقاء المحتل بحث المقاومة على الاستمرار في قتالها .
المناقشة:
تأجيج الفتنة لا يأتي من إنصاف صاحب الحق السليب ونصرته وتأييده في مطالبته بحقه بأي طريقة مشروعة ، ومنها طريقة المقاومة والجهاد ، بل الفتنة هي في مصادرة حقه المشروع في مقاومة العدوان وخذلانه، والفتنة تدافع بما يمكن، وقد يكون القتال من أسباب دفعها كما قال الله تعالى:"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله"، وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله: حتى لاتكون فتنة: أي حتى لا يكون شرك ، وعن عروة بن الزبير: حتى لا يفتن مسلم عن دينه . وورد عن ابن عباس في تفسير: ويكون الدين كله لله: أي يخلص التوحيد لله. ينظر: تفسير ابن كثير 2/309 .
ولهذا ورد عن سعيد بن جبير أنه قال: خرج علينا ابن عمر فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن ماتقول في القتال في الفتنة ؟ قال: ثكلتك أمك ، وهل تدري ماالفتنة ؟ إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقاتل المشركين فكان الدخول فيهم أوفي دينهم فتنة ، وليس كقتالكم على الملك"أخرجه البخاري في صحيحه 4/1706 (4374) ك: التفسير ، وأحمد في مسنده 2/70 ."
والقول بمشروعية الجهاد في العراق وحق العراقيين في مقاومة المحتل لا يعني إقحام العراقيين في مواجهات غير متكافئة ولكن المقاومة بحسب قدرتهم وبالطريقة التي تناسبهم وهذا ما يقرره أهل البلد علماؤها ورجالاتها وأهل الخبرة فيها، ولهم الأخذ بالهدنة والصلح إذا احتاج المسلمون إلى ذلك ورأوا أنه يحقق لهم المصلحة .
ولكن المهم ألا يصادر حقهم المشروع في الدفاع والمقاومة وهو الحق الذي كفلته شرائع السماء وقوانين الأرض والمواثيق الدولية.
وإني أحيل الشيخ إلى موقف الشيخ أحمد شاكر رحمه الله من الاستعمار عندما كتب بيانا في زمانه يحث المسلمين على جهاد الانجليز والفرنسيين تحت عنوان"بيان إلى الأمة المصرية خاصة وإلى الأمة العربية والإسلامية عامة"، وأودعه في كتابه: كلمة الحق .
· ذكر الشيخ العبيكان -وفقه الله- أن الشريعة توجب على المسلم في حال الضعف ترك المقاومة ، ونص كلامه:"والنصوص الشرعية التي بيناها في مقالاتنا نصوص كثيرة جدا من الكتاب والسنة ومن كلام العلماء قديما وحديثا كلها مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة في حال ضعفه كلها توجب على المسلم أنه في حال الضعف أنه لا يجوز له أن يقاوم ولا أن يقاتل لأن الأصول الشرعية تقضي بارتكاب أدنى المفسدتين بدفع أعلاهما فبقاء المحتل مفسدة ولكن المفسدة الأعظم هو العمل على استمرار بقائه بإثارة الفتنة ومقاتلته مع الضعف الحاصل"إلى أن قال:"فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله يوحي إلى عيسى عليه السلام عندما يأتيه يأجوج ومأجوج أن يفر قال": فحرز عبادي إلى الطور ( أي اهرب منهم واترك مقاتلتهم لأنه لا يدان لك بقتالهم ) ".... وقال العلماء أنه يجب على المسلمين مع الضعف يجب عليهم الفرار فما حصل لأهل مؤتة حينما فروا من الجيش الكبير وظنوا أنهم قد أخطؤوا قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم": إننا نحن الفرارون"فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم:"بل أنتم الكرارون"فأيدهم الرسول على الفرار لعدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم .."
المناقشة:
الحكم الذي أطلقه الشيخ في هذه المسألة يحتاج إلى تفصيل وبيان ، لما فيه من الإجمال، وكثيرا ما يقع الخطأ بسبب الإجمال ، وبيان ذلك: أنه ليس كل ضعف يسقط وجوب جهاد الدفع ، وإنما الذي يسقط الوجوب هو الضعف الشديد الذي يصل إلى حد العجز عن القتال ، وهو وضع استثنائي فيرخص لمن هذه حاله بترك القتال لقول الله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، وقوله:"فاتقوا الله مااستطعتم"."
وقد كان هذا هو الحكم في العصر المكي فقد أمر النبي صلى الله وسلم بالعفو والصفح وكف اليد عن المشركين بسبب عجزهم عن القتال كما قال الله تعالى"كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ" [النساء: من الآية77] إلى أن نسخ هذا بالمرحلة الأخيرة بقتال المشركين كافة ونزول آية السيف ، وللمسلم في حال العجز أن يأخذ بالكف عن القتال، لأن القدرة شرط في وجوب الجهاد وغيره من الواجبات الشرعية.