فهرس الكتاب

الصفحة 15291 من 27345

ولى هنا تعليق أرجو أن يتسع صدرك له، ألا وهو أن الباحثين المسلمين لا تفوتهم هذه الملاحظة أبدا، وإلا فهل تستطيع أن تتذكر أن أحدهم مثلا قد عرض عليك ذات مرة الدخول في الإسلام؟ لا أظن أن هذا قد حصل، وحتى لو كان حصل فهو أمر نادر بل شاذ لا يقاس عليه كما تعرف. ومعنى هذا أنهم يسلِّمون باختلاف وجهات النظر، وهذا راجع في الأساس إلى ما جاء في القرآن الكريم من أن كل أهل دين أو شريعة أو مذهب حتى الذين ضلَّ سَعْيُهم في الحياة الدنيا"يحسبون أنهم يحسنون صنعا" (الكهف/ 104) ، ومن أن كل أمة قد زُيِّنَ لها عملها:"ولا تسُبّوا الذين يَدْعُون من دون الله فيسُبّوا اللهَ عَدْوًا بغير علم. كذلك زيَّنّا لكل أمةٍ عملهم. ثم إلى ربهم مرجعهم فينبّئهم بما كانوا يعملون" (الأنعام/ 108) ، وراجع إلى قوله سبحانه أيضًا مخاطبًا نبيّه:"ولو شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض كلُّهم جميعا. أفأنت تُكْرِه الناسَ حتى يكونوا مؤمنين؟" (يونس/ 99) ،"ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولا يزالون مختلفين* إلا مَنْ رَحِمَ ربُّك، ولذلك خلقهم" (هود/ 119) ...إلخ. كما أنهم مأمورون من دينهم ألا يحاولوا فرضه على أحد.

على أن هذا لا يمنع أنهم يفرحون بمن يعتنق دينهم، وهو شعور بشرى فطرى لا غبار عليه، وكل منا يحس بالحُبُور حين ينجح في كسب الآخرين إلى صفه في أية قضية، بله أن تكون هذه القضية هى الدين! وفى كلامك في هذا الحوار الذى نحن بصدده ما يشى بفرحتك لأنك استطعت أن تؤثر على الدارسين العرب الذين يشتغلون معك حتى لقد أصبحوا ينظرون إلى الحضارة الإسلامية من زاوية علمانية غير دينية. وهذا نصّ ما قلتَ:"ما هي الفائدةُ التي تترتب على هذه البعثات والدراسات في الكليات الأوروبية؟! وهل هناك حاجة تدعو إلى هذه البعثات من الدول الإسلامية؟! نعم، إِنَّنا لسعداءُ أَن نقبلَ ونُضيفَ طلبةَ العلمِ من الدول العربية لكي يشاركونا في الدراسات الإسلاميةِ، وهي في الغالب تختلفُ من حيث المنهجية عن الدراسات في الجامعات الإسلاميةِ كُلَّ الاختلاف. إنَّ الإقامةَ والدراسة في المعاهد الاستشراقية قد تكونُ مفيدةً لِمَن يستطيع التمييزَ بين المنهجينِ العِلميينِ: الإسلاميِّ كما في بعض الدول العربية والإسلامية، والعَلمانيّ كما هي عندنا في أوربا. لقد شاركني بعض الإخوة من الدول العربية في أبحاثي، وقد استفدتُ من علمهم لأَنَّهم كانوا من المتخرجين من جامعاتٍ إسلاميةٍ، ولديهم إلمامٌ بدرجةٍ ما، وهم في الآنِ نفسهِ تعلّموا مِنّا الاقترابَ اللاديني من هذه الحضارة الإسلامية، التي لا يَشكُّ في عَظَمتِها أَحدٌ من المستشرقينَ المنصفين على المستوى الأكاديمي. والفائدة من هذه البعثات قد تكونُ الحوارَ المتبادلَ الجِدِّيَّ في مسائلِ البحث العلمي من أجلِ المعرفةِ، لا مِنْ أجلِ إقناعِ الطرفِ الآخرِ بأَولويةِ مَعاييرِ دِينه".

لكن أترانى أريد أن أقول إن المسلمين لا يضيقون حين يَرَوْن المستشرقين والمبشرين يهاجمون القرآن؟ أكون كاذبا إذا أجبت بالإيجاب، إذ هم يضيقون بالفعل ضيقًا شديدًا من جرّاء هذا، لكن لا لأنهم يريدون من المستشرق أو المبشر أن يشاركهم الاعتقاد بأن هذا القرآن من عند الله، بل لأنهم يَرَوْن أنهما لا يراعيان، في كتاباتهما عنه، قواعد العلم والتفكير المنهجى السليم، وأنهما قد دخلا ميدان الدراسات القرآنية بنيّةٍ جاهزة هى التخطئة والانتقاد أيا كان الوضع! هذا هو السبب، ولا سبب غيره في حدود علمى وملاحظتى. وفى كلامك ذاته ما يومئ بقوةٍ إلى صدق ما ذكرتُ، فأنت تقول إن"الاستشراق يُعالج النصَّ القرآنيَّ وِفقًا لِمَعاييرِ علومِ الدياناتِ العامةِ، وَوفقًا لعلوم التأريخ، فمِن هنا يُمكنُ القولُ: إِنَّ نصَّ القرآنِ في رأي الاستشراقِ ليس إِلاَّ وثيقة تاريخية ثَمينة، باعتباره مبدأً أساسيًّا في إيمان المسلمين وعقيدتهم". معنى ذلك أنك تدخل الميدان، وفى ذهنك أن هذا النص غير مقدس ولا يمكن أن يكون مقدسا، على حين أن الحيادية العلمية تقتضيك أن تدخل بقلب محايد يمكن أن يغير اتجاهه في أى وقت تبعا لما يتكشف له من الحقيقة أو ما يرى مخلصًا أنه الحقيقة، اللهم إلا إذا قلتَ إن العلم قد انتهى انتهاء مطلقا لا رجعة عنه ولا مثنوية فيه إلى أن الأديان، أو على الأقل: إلى أن الإسلام لا يمكن أن يكون صوابا. فهل يمكنك بوصفك رجلا عالما أن تجزم بهذا؟ وحتى لو كان بعض العلماء الطبيعيين يقولونه، بل لو افترضنا المستحيل وقلنا إن جميع العلماء الطبيعيين يقولون به، أوَيمكنك أنت أو غيرَك أن تقطع بأن هذه هى الحقيقة المطلقة، وضميرك مطمئن؟ إن الأمر في أسوإ حالاته لهو أمرٌ خلافىّ! وعلى كل حال فليس هناك ما يقطع بأن الرسول محمدا لم يكن فعلا رسولا من عند رب العالمين. وبطبيعة الحال أنا لا أتكلم هنا عن كل المستشرقين بل على قطاع منهم، وإن لم يكن هذا القطاع صغيرا بالمناسبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت