فهرس الكتاب

الصفحة 15301 من 27345

ولقد قرأت في كتاب"الأصنام"لابن الكلبى (تحقيق أحمد زكى/ الدار القومية للطباعة والنشر/ 19) أن المشركين كانوا يرددون هاتين العبارتين في الجاهلية تعظيما للأصنام الثلاثة، ومن ثم فإنى لا أستطيع إلا أن أتفق مع ما طرحه سيد أمير على من تفسير لما يمكن أن يكون قد حدث، بناءً على ما ورد من روايات في هذا الموضوع، إذ يرى أن النبى، عندما كان يقرأ سورة"النجم"وبلغ الآيات التى تهاجم الأصنام الثلاثة، توقَّع بعضُ المشركين ما سيأتى فسارع إلى ترديد هاتين العبارتين في محاولة لصرف مسار الحديث إلى المدح بدلا من الذم والتوبيخ (Ameer Ali, The Spirit of Islam, Chatto and Windus, London, 1978, P.134) . وقد كان الكفار في كثير من الأحيان إذا سمعوا القرآن أحدثوا لَغْطًا ولَغْوًا كى يصرفوا الحاضرين عما تقوله آياته الكريمة (فُصِّلَتْ/26) ، فهذا الذى يقوله الكاتب الهندى هو من ذلك الباب. ولتقريب الأمر أمثِّل لهذه الطريقة بواقعة كنت من شهودها، إذ كان رئيسٌ ومرؤوسه يتعاتبان منذ أعوام في حضورى أنا وبعض الزملاء، وكان الرئيس يتهم المرؤوس المسكين بأنه يكرهه، والآخر يحاول أن يبرئ نفسه عبثا لأنه كان معروفا عنه خوضه في سيرة رئيسه في كل مكان. وفى نوبة يأس أسرع قائلا وهو يؤكد كلامه بكل ما لديه من قوة:"إن ما بينى وبينك عميق!"، فما كان من زميلٍ معروفٍ بحضور بديهته وسرعة ردوده التى تحوِّل مجرى الحديث من وجهته إلى وجهة أخرى معاكسة إلا أن تدخل قائلا في سرعة عجيبة كأنه يكمل كلاما ناقصا:"فعلا! عميقٌ لا يُعْبَر". وهنا أمسك الرئيس بهذه العبارة وعدَّها ملخِّصةً أحسن تلخيص للموقف ولمشاعر مرؤوسه المزنوق الذى يحاول التنصل مما يُنْسَب إليه! ومن ذلك أيضا ما كان بعض أصدقائنا المدرسين يعابث به تلميذاته إذا رآهن قد أسرفن في التحمس لقاسم أمين وإبراز أهمية الدور التى تؤديه المرأة في الحياة، إذ كان ، كلما ردّدن أمامه العبارة المشهورة في هذا السياق من أن"وراء كل عظيم امرأة"، يجيبهن مرة:"طبعا وراءه لا أمامه، فهو صاحب الصدارة والتفوق، أما هى فتابعة له"، ومرة:"فعلا وراءه، والزمان طويل"، ومرة:"وراءه مسوِّدة عيشته"... وهكذا .

كذلك زعم"بلاشير"أن سورة"الكهف"قد خضعت لتحويرات أخرى بعد أن اكتشف جنابه أن الآيات 9- 25 من سورة"الكهف"ينبغى أن يعاد النظر في ترتيبها. بل إنه رتبها فعلا، فجعل مجموعة الآيات من 9 إلى 16 مضافًا إليها الآيتان 24- 25، ومجموعة الآيات من 13 إلى 16، عبارة عن روايتين لشىء واحد، أى أنهما نصٌّ واحدٌ أُورِدَ بروايتين مختلفتين. وهو ما يعنى أن إحدى المجموعتين زائدة لا لزوم لها (Blachere, Le Coran, PP. 318- 319) . من الذى أفتى لبلاشير بهذا؟ لا أحد بالطبع إلا شيطان السخف! وهَبْه كان مقتنعا فعلا بهذا الذى يزعم، أَوَلم يكن ينبغى أن يورد النص القرآنى كما هو بما وقع فيه من عبث أو اضطراب على حسب أوهامه، ثم فَلْيُعَلِّقْ في الهامش بما يعنّ له؟ لكن هذا ليس هو المراد، ولن يحقق له أهدافه الإبليسية، فالمقصود هو إيقاع الشك والارتياب في النص القرآنى لإفقاده قدسيته وجلاله فيتعود القارئ على أن يتعامل معه على أنه نص عادى من النصوص التى يصنعها البشر بما يمكن أن يصيبه ما يصيب أى نص بشرى من عبث ونسيان وإضافة وحذف وتقديم وتأخير...إلخ. وهذا الهدف لا يتم على الوجه الناجع إلا إذا تقدم أحدهم ونفذه على أرض الواقع، ولم يكتف بالكلام النظرى الذى لا يمكن أن يكون في قوة التطبيق العملى. ومن هنا أراد بلاشير أن يكون هو"الفأر الزردوق"الذى يعلّق الجُلْجُل في رقبة القط ويحصل له الشرف، شرف الإساءة إلى العلم والحق، بل إلى الشرف نفسه!

وهاتان هما المجموعتان المشار إليهما من آيات سورة"الكهف"، أضعهما تحت بصر القارئ كى يرى بنفسه الرقاعة البلاشيرية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت