لقد أدرك النبي- صلى الله عليه وآله وسلم - كم تحمل أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- من غيرةٍ عليه من زوجاته رضي الله عنهن، فكان أوسع صدرًا لغضبها وغيرتها، ولو تعدّى الغضب بها من الشعور إلى العمل، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا أَتَتْ بِطَعَامٍ فِي صَحْفَةٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وآله وسلم - وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءَتْ عَائِشَةُ مُتَّزِرَةً بِكِسَاءٍ وَمَعَهَا فِهْرٌ [أي: حَجَر] ، فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَة،َ فَجَمَعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ فِلْقَتَيِ الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: كُلُوا؛ غَارَتْ أُمُّكُمْ ـ مَرَّتَيْنِ ـ ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَحْفَةَ عَائِشَةَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَأَعْطَى صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ عَائِشَةَ". رواه النسائي وأصله في البخاري."
ولله در بعضنا في غضبه مع زوجه أو زوجته كيف يتفنن في القدرة على إنهاء حالة الغضب في سرعةٍ ولباقة؛ فإنك تراه قد أخذ على نفسه عهدًا ألاّ يبيت ليلة وفي نفسه شيء على حبيبته، أو أنك تراها حينما يعلو صوت زوجها عليها غاضبًا في حالة سكون وهدوء تهرول إلى كأس الماء البارد لتأتي به إلى زوجها مذكرة له بالبسملة!! أو أنك تجد من تسبب في ذلك منهما لا يتردّد لإنهاء الغضب أن يعترف بالتقصير واقتراف الخطأ، فترى الغضبان مع هذا التصرف الحكيم والرائق في منتهى الحيرة والحياء.. وربما تورّط كيف ينهي غضبه بطريقة تدريجية!
وخذ هذا المثال، وأتركُ لك الحكم عليه، فإن إحدى الزوجات تقول: أغضبت زوجي مرة، فنشب خلاف بيني وبينه، وحينما وصل إلى قمة غضبه عزم على أن يدعني ويخرج من المنزل، فناديته قائلة: إن أنوار المنزل سوف تُطفأ بعد قليل فلا تتركني بمفردي، فتعجّب قائلًا: ومن أخبرك بهذا؟ فقالت: إنك إن خرجت من المنزل لا يبقى لي فيه نور بعد نورك!!
وبالتجربة نلاحظ أن أكثر سنيّ الزواج غضبًا هي السنوات الأولى، مع أنها الأقرب من نشوة فرحة النكاح، والسبب بلا ريب أن الزوجين ما زالا في بداية التعرف على بعضهما من حيث التفكير والتعامل، ولذا فإن ما آمله فيهما هو أن يبذل كلٌ منهما جهده لمعرفة ما يثير صاحبه عليه، فيقطعه بكل وسيلة ما دام أن ذلك ممكن شرعًا وعرفًا، وأن ينظرا بعين الرحمة لأنفسهما وذريتهما، و بعين العقل لمستقبل حياتهما، ليحققا في سبيل التسامح والصفح معاني السكن والمودة والرحمة التي قال الله فيها: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) . [الروم:21] .
* كلية الشريعة بالأحساء