فهرس الكتاب

الصفحة 15364 من 27345

لكن هل سكتوا؟ اسمع ماذا قال الله عن جواب الأتباع للأسياد بعد قول الأسياد: {قال الذين استكبروا للذين استُضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم, بل كنتم مجرمين} فردّ الأتباع: {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادًا} . نعم: إنّه مكر الليل والنهار, والتخطيط الدؤوب بترتيب الخطوات -خطوات الشيطان- ليتمّ الانزلاق, {فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} : إذًا كان ممّا صرخوا في وجهه أنّهم لاموه على ما زيّن لهم, ولكنّه يردّ لومهم.

لكن السؤال الذي يوجّه له: لماذا لا يلوموه؟ أليس هو الذي دعاهم, وقد اعترف بذلك؟! أم أنّه يعتبر أنّ هذه ليست بالجريمة التي تستحقّ العقاب ولا حتّى اللوم.

نعم: ليس لهم عذر عند الله بأنّهم اتّبعوا الشيطان وصدّقوا وعوده, بل سيعاقبون على كلّ ما فعلوا واقترفوا وبيّتوا.

لكن أصحيح أنّه لا لوم على الشيطان؟ إنّها نصف الحقيقة, وكما أنّها الكلمة البريئة: دعوتكم فاستجبتم, وهي اعتراف بالحق مع المجاهدة القصوى لإمرارها سريعًا دون تفصيل يؤدّي إلى إثبات الجرم, فكذلك هنا: {فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} إنّها نصف الحقيقة تتكرّر, لكن كما قال الله عن الأسياد والأتباع: {لكلٍّ ضعفٌ} أي من العذاب, وذلك بعد قولهم: {ربّنا هؤلاء أضلّونا فآتِهم عذابًا ضعفًا من النار قال لكلٍّ ضعفٌ ولكن لا تعلمون} . {ما أن بمصرخكم وما أنتم بمصرِخِيّ} . وهكذا تدرّج في حديثه حتّى وصل إلى هذه الحقيقة, لن أستطيع إنقاذكم ولا نجدتكم, كما أنّكم لا تستطيعون إنقاذي ولا نجدتي, والعرب تقول للنجدة والمغيث والمعين: الصارخ, والصراخ هو الصياح, لأن طلب الغوث وكذا المغيث لا يخلو منه غالبًا، قال أميّة بن أبي الصلت: ولا تجزعوا إنّي لكم غير مصرخ، وليس لكم عندي غناءٌ ولا نصر، أي لست لكم بمغيث.

وهكذا لم يجدوا عنده إلا السراب الخادع, والأماني الكاذبة, والوعود الباطلة.

وقوله سبحانه وتعالى على لسان الشيطان {ما أنا بمصرخكم} دليل على أنّ حديث أهل النار هو الصراخ -وهم يصطرخون فيها- ولا شكّ أنّ حالهم يدعوا لذلك, نعوذ بالله من عذابه وناره.

والمرء لا يقدّم إلا ما يقدر عليه, وههنا لا يقدر الشيطان على إنقاذ نفسه, فكيف يقدر على إنقاذ غيره؟! ثمّ متى استطاع الشيطان أن يقدّم لعباده وأتباعه شيئًا؟! ومتى صدق في وعد قطعه على نفسه لهم.

ألا ما أشقى من يتّبع الشيطان ويثق به ويصدّق وعوده. {إنّي كفرت بما أشركتموني من قبل} . وها هو يردّ عبادتهم له في وجوههم, ويرميها خلقة بالية, فقد كفر بعبادتهم, وتبرّأ من إشراكهم إياه مع الله تعالى, فقد كفر بشركهم, وهو اعتراف منه أنّ تألّهه على أتباعه هو تألّه باطل, وأنّ عبادتهم إيّاه عبادة باطلة, وأنّ كل طاعة قدّموها له رجاءَ خيرٍ منه أو جزاء ذهبت سرابًا ولم تك شيئًا. وهكذا تبيَّن للأتباع من عباده الذين نراهم يملؤون السهل والواد, ويأخذون عنه شريعتهم, ويدمّرون فطرتهم بالانقياد له, ويعرضون عن أمر ربّهم وشريعته, وسنّة النبيّ وهديه, تبيّن لهم: أنّ وعوده كاذبة, وأنّ نهاية العلاقة بينهما هي التبريّ والقطيعة, وأنّه لن ينصرهم في أيّ مقام من مقاماتهم التي يحتاجون فيها إلى النصرة والتأييد.

والله قوله الحقّ, ووعده الحقّ, وما أخبرنا بهذا إلا رحمة بنا, وإخبارًا لما سيقع يقينًا من أجل الاتّعاظ قبل فوات الوقت, فيومها: إنّ الظالمين لهم عذاب أليم, فليعجّل الناس بوصل حبالهم مع الله تعالى, وليقطعوا حبالهم مع الشيطان وجنده, وليسمعوا قوله سبحانه {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألاّ تعبدوا الشيطان إنّه لكم عدوٌّ مبين. وأن اعبدوني هذا صراطٌ مستقيم} يس60-61.

أمّا المؤمنون فقد قال الله تعالى عقب ذلك: {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربّهم تحيّتهم فيها سلام} إبراهيم23.

وهي كلمات فيها كلّ الجواب على من سأل: فماذا فعل الله بعبيده, وبأتباع الأنبياء, نعم هذه خطبة إبليس في عبيده وأتباعه, وأما قول الله لعبيده وأحبابه في الجنان يقول لهم: اليوم أُحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا, ثمّ يتجلّى لهم فيرونه وهم جلوس على منابر النور واللؤلؤ والذهب وكثبان المسك.

إنّها حقائق لا محيد للناس عنها, فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت