وهذا الضرب من الفتن لا يحتاج إلى تدليل، فالواقع المر شاهدٌ بذلك، ومع أنَّ للافتراق أسبابًا كثيرة كالجهل والهوى... إلخ؛ إلاَّ أنَّ أثر المنافقين الذين يدخُلون في صفوف الدعاة لا يجوز إغفاله والتهوين من شأنه، وكون الفرقة تحصل بين أهل طريقتين مختلفتين في الأصول، فإنَّ هذا الأمر واضحٌ ومعقولٌ ومقبول، أما أن يفترق أهل الطريقة الواحدة- طريقة أهل السنة والجماعة، وطريقة سلف الأمة- فهذا أمرٌ لا يعقل ولا يقبل، ولا يكونُ، وهناك يد خبيثة خفية وراء هذا الافتراق؛ فينبغي على الدعاة الحذر من هذه الأيدي والتفتيش عنها، وفضحها، وتطهير الصف المسلم منها. (وسيأتي الكلام عن فتنة التفرق والاختلاف في بحثٍ قادم، وبشكلٍ مفصل- إن شاء الله تعالى-) .
ب- فتنة التخذيل والتشكيك:
وهذه أيضًا من أعمال المنافقين المندسين في الصف المسلم، حيث يسعون إلى بث فتنة التخذيل وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك بدعاوى وشبه شرعية خادعة، مؤداها توهينُ عزائم الدعاة وإضعاف هممهم، وبث الخوف في النفوس من الباطل وأهله، وتهويل قوة الأعداء وخططهم بصورةٍ تَبثُ اليأس في النفوس الضعيفة.
ج- فتنة الإيقاع بالدعوة والدعاة:
لا تقف مساعي المنافقين في إيصال الشر والأذى للدعوة وأهلها عند حد، فمن هذه المساعي الخبيثة التي يقُومُون بها داخل صفوف الدعاة بعد إظهار الحماس، وبعد كسب الثقة والسماع لأقوالهم كما قال تعالى: (( وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) ) [المنافقون:4] .
وتحت ستار الغيرةِ على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله- عز وجل- فإنهم يبدءون في دفع بعض الدعاة إلى مواجهات مع الباطل وأهله، والزج بالدعوة في أعمالٍ خطيرةٍ تفتقد المستند الشرعي من جهة، وتؤدي بالدعوة وأهلها إلى الضمور والانكماش من جهةٍ أخرى، إن لم يقض عليها قضاءً مبرمًا، وهذا هو ما يريده المنافقون الخادعون الذين قال الله- عز وجل- عن أمثالهم: (( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) ) [التوبة:47] .
يقول الإمام البغوي- رحمه الله تعالى- عند تفسير هذه الآية:
(( لَوْ خَرَجُوا ) )يعني المنافقين (( فِيكُمْ ) )أي معكم (( مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ) )،أي: فسادًا وشرًا. ومعنى الفساد: إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين، بتهويل الأمر، (( وَلَأَوْضَعُوا ) )، أسرعوا، (( خِلالَكُمْ ) )، وسطكم بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم بالنميمة، ونقل الحديث من البعض إلى البعض، وقيل: (( وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ) )أي: أسرعوا فيما يخل بكم . (( يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ) ), أي: يطلبون لكم ما تفتنون به، يقولون: لقد جمع لكم كذا وكذا، وإنَّكم مهزومون، وسيظهر عليكم عدُ وكم ونحو ذلك.
وقال الكلبي: يبغونكم الفتنة يعني: العيب و الشر. وقال الضحاك: الفتنة الشرك، ويقال: بغيته الشر والخير أبغيهِ بغاءً إذا التمسته له، يعني: بغيت له.
(( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) ).
قال مجاهد: معناه وفيكم مُحبُون لهم، يُؤدون إليهم ما يسمعون منكم، وهم الجواسيس. وقال قتادة: معناه وفيكم مطيعون لهم، أي: يسمعون كلامهم ويطيعونهم. (( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) ) [5] . ا. هـ.
[1] انظر لمزيد من الفائدة رسالة: (ولا تلبسوا الحق بالباطل) للمؤلف.
[2] الرو ح ص 244.
[3] في ظلال القرآن عند الآية (11) من سورة البقرة.
[4] تفسير البغوى 4/ 93 ط. دار طيبة.
[5] تفسير البغوى 4/ 56 ط. دار طيبة.