فهرس الكتاب

الصفحة 15435 من 27345

هذا ما جاء به"أحمد بن عليوة" (المتوفى سنة 1934 م) الذي كان يعمل حرازًا بمستغانم قبل أن آلت إليه مشيخة زاوية"درقاوة"بمستغانم بوصيّة من شيخه"محمّد بن الحبيب البوزيدي" (المتوفى عام 1909 م) . ولكن الشيخ"ابن عليوة"كان طموحًا جدًّا فجدّد الطريقة وأدخل على نظامها وطقوسها ودعايتها تغييرًا شاملًا مِمّا جعلها تنتسب إليه بدلًا من نسبتها إلى"الدرقاوي"أو"الشاذلي"، وخرج بها من مستغانم لتنتشر في الآفاق، ونشطت على يده نشاطًا هائلًا، وامتدّت دعوتها باسمها الجديد:"الطريقة العليوية"في الوطن وخارج الوطن (3) ... وهكذا انتحل مذهبه - الذي نادى به محيى الدين بن عربي الأندلسي في كتابه (شجرة الكون) وعالجه اليهوي الهلاندي اسبينوزا، وتعرض له عمر بن الفارض - وهو مذهب"وحدة الوجود"الذي اشتهر به أيضًا شيخ الصوفية جلال الدين الرومي، أبعد الطرق عن الإسلام التي تدعو إلى الحلول صراحة، وهذا يتنافى تمامًا مع تعاليم الدين الإسلامي، ويصل بصاحبه إلى الكفر والإلحاد.

حملات ابن باديس على العلويين والطرق الصوفية الأخرى

رُفع نص سؤال إلى الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس يقول:"ما قول ساداتنا العلماء - رضي الله تعالى عنهم، وأدام النفع بهم - في رجلٍ يزعم أنّه قطب الزمان الفرد، وأنّ الكلّ دونه، وأنّه العارف الْمُسَلّك... إلى غير ذلك من أعلى صفات العارفين، وأسمى درجات الكاملين، ثُمَّ يقول مخاطبًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم بما نصّه:"

إنْ مُتّ بالشَّوْق منكد

من هو بالملك موحّد ... ... إن تبق في هجري زائد

عبس بالقول تساعد

ما عذر ينجيك للمولى ندعيك

ينظر في أمريك ... ... ما نرجوه فيك

ولَمّا قيل له في هذه الأبيات، قال: أَلسُنُ الْمُحِبِّين أعجمية !

فهل يُعَدُّ خِطابُه هذا سُوء أدب ؟

وهل تجوز مخاطبة النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثله ؟

وهل صدور مثله من شأن العارفين الكاملين !؟

وهل يُقبل منه ما اعتذر به من عُجمة ألسن الْمُحبّين ؟

أفيدونا مأجورين - إن شاء الله تعالى - من ربّ العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته"."

فانبرى الشيخ ابن باديس للجواب بعد أن استخار الله تعالى، فألف رسالة نافعة في الذب عن النبي صلى الله عليه وسلم موسومة ب:"رسالة جواب سؤال عن سوء مقال". ردّا على أحمد بن عليوة المستغانمي صاحب الطريقة العليوية، الذي تَجَرَّأَ على مقام النبوة الكريم فَفَاهَ بِجُمَلٍ سَخِيفَةِ الْمَعْنَى في أبيات باللّسان العَامِّيِّ الوارد في السؤال التي نشرها في ديوانه المطبوع في تونس عام 1920 م، المشحون بالدعوة إلى مبدأ الحلول وحدة الوجود (4) .

رسالة جواب عن سوء مقال، عبارة عن رسالة صغيرة لا يزيد عددها عن سبع عشرة صفحة، تحتوي على مقدّمة وأربعة فصول وخاتمة، حَشَدَ فيها ابن باديس خير الأدلة، من الكتاب الكريم والسنّة الصحيحة وآثار السلف، بأسلوب علمي متين ولسان عربي مبين، وفرغ من تحريرها صبيحة الثلاثاء السابع والعشرين من ذي الحجة الحرام عام 1340ه الموافق لعام 1922 م، أرسل بها إلى كبار مشايخه بتونس وإلى أفاضل العلماء والمفتين بالجزائر والمغرب ومصر، فاطّلعوا عليها وقرّظوها وأرسلوا إليه بتقاريظهم تباعا فطبعها ونشرها في الجزء الأخير من الرسالة بأسماء العلماء المقرظين مع بيان وظائفهم وبلدانهم. واعتبروها من العمل المبرور والصنيع المشكور، وضلّلوا من فاه بتلك الأبيات، لما حوته من ترّهات"!"

إنّ الرسالة - على صغر حجمها وما فيها من علم دسم - ساهمة بالقدر الممكن في الردّ على تحرّك أدعياء التصوّف الزائف في تلك الأيام، وتحذير الأمة من إفكهم وباطلهم، وكشف مخازيهم على ما أدخَلُهُ في القلوب من فساد العقائد، وعلى العقول من باطل الأوهام، وعلى الإسلام من زور وتحريف وتشويه، إلى ما صرفت من الأمّة عن خالقها بما نصبت من أنصاب، وشتّتت بكلمتها بما اختلقت من ألقاب، وقتلت من عزّتها بما اصطنعت من إرهاب، حتّى حقّت للحقّ على باطلها الغلبة (5) ، واهتداءً بجنود الإصلاح من إخوانه المشايخ في جمعية العلماء المسلمين - التي أسسها ابن باديس سنة 1931 م - من أبرزهم: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والعربي التبسي، ومبارك الميلي، والطيب العقبي (رَحِمَ اللهُ الجميع) الذين"شنّوا الغارة على قلعة الضلال، وحملوا عليها حملةً صادقةً شعارُهم: لا صوفية في الإسلام، حتّى يدكّوها دكًّا وينسفوها نسفًا ويذروها خاوية على عروشها" (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت