بَهَرتْنيْ آفاقُكَ الطُهرُ فارتعْـ ـتُ وَخِفتُ الضَلالَ في أضوائِكْ
لستُ أدريْ، وقد قرأتُ قوافيْ ـكَ، وأمعنتُ في سَماعِ بُكائِكْ
أم نبيٌّ يَئنُّ في أحشائِكْ أشعوبٌ مقتولةٌ فيكِ تَبكيْ
ليتَني كنتُ دمعةً ضِمنَ عينيـ ـكَ أرى منهما مدى عَليائِكْ
ليتني زفرة بِقلبك أحيا طاهرًا وسط شعلةٍ من دِمائِكْ
(مع الله: ط2 - 246)
كما أن إعجاب عدد من المستشرقين بديوان"مع الله"وترجمة بعض قصائده إنما يشمل الخماسيات التي تغطي ثلاثة أرباع الديوان (4) .
تاريخ المقطعات في الشعر العربي
إن جودة الشعر لا تقاس بطول قصيده ولا بتعداد أبياته، بل في جوهره الذي يتجلى بقيمه التعبيرية والشعورية، وبما تحقق فيها من جمالية وبيان، وقد لحظ النقاد ومؤرخو الأدب"أن ظاهرة المقطعات الشعرية قديمة قدم الشعر، وأن هناك أسبابًا كثيرة دعت إليها وإلى الإكثار منها، أو الاختصاص بها، وأن الشعراء عامة قد نظموا فيها، وكان بعضهم أكثر ميلًا إليها، وأقدر عليها من سواه" (5) ، كما لحظوا"أن ما ورد في الشعر العباسي من هذه المقطعات يفوق كثيرًا -كمًا ونوعًا- ما ورد في شعر سواه من العصور الأدبية التي سبقته" (6) . والحكم نفسه يندرج على شعرنا العربي الحديث، وممن أكثروا من هذه المقطعات الشعراء: إسماعيل صبري وحليم دموس وأحمد الصافي النجفي ومحمد سعيد العامودي صاحب مجموعة الرباعيات المشهورة (أي أربعة أبيات لا أربعة شطور كالخيام) (7) .
المقطعات في الشعر الفارسي
سوف نرى أن الموضوع الإلهي هو الغالب على خماسيات الأميري، مما يذكرنا بشعر محمد إقبال وبشعراء الفرس.
وعلى الرغم من استمداد الشعر الفارسي عروضه (بحورًا وتفعيلات) من الشعر العربي، وموضوعاته من شعر الزهد والتصوف العربيين إلى حد كبير، وعلى الرغم من استقلال الأميري بخماسياته شكلًا ومضمونًا، وإعجابه بالشاعر إقبال، فإن الأمانة تقتضينا الإشارة إلى شيوع المقطعات في الشعر الفارسي بأنواعه: (المثنوي المصرع - الترجيع بند الغنائي المؤلف من مقطعات - الرباعي المنظوم من أربعة أشطر - الدوبيت وهو نوع من الرباعيات، المندرج في بحر آخر أقرب ما يكون إلى الشعر المقطعي) (8) .
مما يلفت النظر أن الصاوي علي شعلان ترجم قصيدتين للشاعر إقبال"شكوى" (24 مقطعًا) كل مقطع منها خمسة أبيات على بحر الكامل، و"جواب شكوى" (27 مقطعًا) كل مقطع كذلك خمسة أبيات (9) من بحر الوافر. أما ترجمة الصاوي لقصيدة إقبال الأخرى"في أسرار الشريعة"فكانت (16 مقطعًا) كل مقطع منها في أربعة أبيات من بحر الخفيف (10) .
سبب اختيار الأميري للخماسيات
قال أحد الشعراء: إن القصيدة هي التي تفرغ مني، ولست أنا الذي أفرغ منها. مما يدل على أن علاقة الشاعر بشعره عميقة، أسهم علم النفس التحليلي في الكشف عن طبيعتها، وتفسير بعض أسرارها (11) .
ترجح لدينا أن هناك في الأقل سببين نفسيين لاختيار الأميري نظام الخماسيات أو المقطعات، أحدهما ذو طابع ديني، والآخر ذو طابع فني. أما السبب الأول، فهو البعد الروحي لتجربته الشعرية، التي تمتح من معين (الموضوع الإلهي) أي التوجه إلى الله تعالى، والتماس رحمته والقرب منه، وطلب الصلة الروحية بمصدر الروح البشرية، بالتسامي والتأمل والمجاهدة وما شاكل ذلك من رياضات روحية. هذا النزوع البشري العلوي لا يتحقق باستمرار، إنما يتأتى موجات موجات، ولحظات التجلي أو الإشراق، تكاد تكون خاطفة عابرة أو نادرة. جاء في حديث شريف رواه الإمام مسلم في صحيحه أن الصحابي حنظلة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوعظنا، وذكرنا النار. قال: ثم جئت إلى البيت، فضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة.قال: فخرجت، فلقيت أبا بكر، فذكرت ذلك له، فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله نافق حنظلة، فقال: مَهْ، فحدثته بالحديث. قال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل. فقال: يا حنظلة ساعة وساعة. ولو كانت تكون قلوبكم، كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تٌسلِّم عليكم في الطرقات"عبر عن ذلك شاعرنا الأميري بخماسية في ديوانه"قلب ورب":"
أهواكَ.. وأغفلُ عن مُثُلٍ عليا لهواكَ.. وأهواكا
لانَكصًا في الدربِ، ونَقصًا في الحبِّ، ونقضًا لِرِضاكا
لكنْ شرداتُ العين وقد أعشاها إشراقُ سناكا
ويقينيْ أنكَ رحمانٌ بالرّأفةِ عمَّ الأفلاكا
وشعوريْ أنّي إنسان هلْ أُذنبُ لو كنتُ مَلاكا
(ص: 77 - 78)