فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
عندما تصل النطفة الأمشاج إلى طور التويتية تنشق عنها بطانة الرحم كما تنشق التربة عن النبتة الصغيرة، فتبرز من جدار الرحم ولكنها تبقى معلقة فيه بما يشبه العنق الذي يوصل إليها المواد الغذائية المستخلصة من دم الأم المتدفق في شعيراتها الدموية المنتشرة في القرص المشيمي.. إن هذه الطريقة في الحصول على المادة الغذائية وفي الاتصال بمصدر الغذاء تشبه طريقة الديدان الطفيلية وأشهر أنواعها هي دودة العلق.. وهذه الحقائق متطابقة لفظًا ومعنى مع قوله تعالى في سورة العلق: )اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق (.وقوله سبحانه في سورة المؤمنون: ) خلقنا النطفة علقة (.ولئن كان هناك إجماع بين اللغويين على أن العلقة هي الدم المتجمد فإن هذا لا يتناقض مع الحقيقة العلمية لأن الدم الوارد من جسم الأم لا يتجمد بالطريقة المألوفة وهي التبريد ولا بالتجلط.. وإنما يتحول الدم السائل المتدفق من عروق الأم إلى هذا الكيان المتماسك نتيجة لتحول عناصره إلى مادة البروتوبلازم التي هي مادة الخلايا الحية التي يتكون منها جسم الجنين.
المضغة المخلقة وغير المخلقة:
تواصل العلقة النمو عن طريق انقسام الخلايا وتكاثرها الذي سبق أن ذكرنا أنه بعد طور التويتية تختلف معدلاته واتجاهاته في أجزائها المختلفة مما يؤدي إلى شكل المضغة. والمضغة طور تحولي خطير في رحلة التكوين الجنيني حيث يبدأ النشاط التخليقي في اتخاذ معدلات متنامية سرعان ما تؤدي إلى التخليق أي: تكوين بداءات أو ( بواكير الأعضاء organ rudiments) ،وأولى خطوات التخليق هي تميز الجسم إلى مناطق في كل منها مجموعة خلايا متخصصة هي التي ستتكون منها أعضاء جديدة، أي: أنها في هذه المرحلة قد تقرر مصيرها.
وقد تمكن علماء الأجنة من عمل خرائط لأجنة حيوانات التجارب في هذه المرحلة تسمى (خرائط المصير fate maps) ...وبعد هذا التميز بين الخلايا شكلًا وحجمًا وتوزيعًا يكون الاختلاف في معدلات انقسامها واتجاهاته... وهذا ما يسمى عمليًا بالتمايز (differentiation) .وهو أول علامات التخليق ( ولا أقول التخلق ) ... وتقدم لنا الآية الرابعة عشرة من سورة المؤمنون عرضًا سريعًا للتخليق الجنيني المبكر إذا يقول الخالق سبحانه: )ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا(... والمضغة الوارد ذكرها هنا كيان محدد هو محل التخليق إلى الطور التالي المؤدي إلى تكوين الأعضاء الجنينية.
ولكن المضغة قد ورد ذكرها في نص قرآني آخر بصفة مزدوجة، وذلك في صدر الآية الخامسة من سورة الحج إذ يقول سبحانه وتعالى:
)ثم من علقةٍ ثم من مضغةٍ مخلقة وغير مخلقة (.
في هذه الآية وصف لشيء واحد بصفتين متناقضتين.. وكلام الله منزه عن شبهة التناقض.. ولو كان المقصود مضغتين مختلفتين إذن لكان التعبير الصحيح: ( ثم من مضغة مخلقة وأخرى غير مخلقة ) أسوة بقوله تعالى في سورة يوسف: )وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات (... ولكننا هنا أمام نص شديد الوضوح في وصف المضغة الواحدة بأنها مخلقة وغير مخلقة في نفس الوقت.. ولا تفسير لذلك إلا أن تكون هذه المضغة مخلقة في بعض أجزائها وغير مخلقة في أجزاء أخرى.. هذا هو التأويل الوحيد الذي يتفق مع حقيقة علمية هي: أن المضغة بمجرد تكوينها سرعان ما تتميز إلى منطقتين: الداخلية المتاخمة لجدار الرحم والمتصلة به مباشرة هي التي سوف تتكون منها أعضاء الجنين المؤقتة.. والمنطقة الخارجية وهي المعلقة في تجويف الرحم هي التي سوف يخلق منها الأعضاء الدائمة وتنمو معه ما دام حيًا.. وقد سبق ذكر هذه الأعضاء وتلك الأعضاء في مستهل حديثنا... وبدا لي أن هذا التأويل كافٍ لإزالة أي تناقض بين التعبير القرآني والحقائق العلمية...( ولو تحقق ذلك لأرحت واسترحت ) ... ولكني بعد تأمل طويل مصحوب بالنقد الذاتي اكتشفت مطعنًا علميًا في هذا التفسير.. فالأعضاء المساعدة أو المؤقتة التي تتكون من المنطقة الداخلية للمضغة والتي اعتبرناها غير مخلقة.. هذه الأعضاء إنما تتكون أيضًا بطريقة توالي الانقسام الخلوي وترتيب الخلايا الناتجة لتشكل العضو الناتج عن هذه العمليات.. وهذا هو أيضًا تخليق، وإن كان يتم بصورة أقل تطورًا مما يحدث في المنطقة الخارجية للمضغة والذي تنتج عنه بواكير الأعضاء الدائمة.. إذن فالمضغة مخلقة في كل أجزائها طبقًا لهذه الحقيقة... هنا شعرت بشيء من خيبة الأمل... لم أتغلب عليها إلا بعد أن استعذت بالله من الشيطان الرجيم ورحت أعيد تلاوة الآية الخامسة من سورة الحج إلى ما بعد الكلمتين اللتين أوقعتاني في هذه الحيرة ـ هكذا:
( ثم من مضغة مخلقة، وغير مخلقة لنبين لكم... ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلًا ) ... عند هذا الموضع من الآية استقر في وجداني مفهوم آخر ارتحت إليه كثيرًا... وعثرت فيه على التوافق المنشود بين التعبير القرآني والحقيقة العلمية.