فالمسلم في مسيرته بحاجة إلى زاد أو جرعات منشطة أكثر من اعتيادية، ولنضرب لذلك مثلًا: إن الإنسان يمكن أن يعيش بأي طعام وغذاء ولكنه لا يلبث أن يهزل وتخور قواه إذا لم يراع في غذائه المكونات الأساسية لبناء الجسم والذي له تأثير أكيد في البناء العقلي والنفسي والعاطفي،وهذه قضية لا ينبغي أن يغفلها المربون إذا أرادوا جيلًا متكاملًا في وعيه وعقله ونفسه وسلوكه وصحته، وقد ثبت أن للغذاء المتوازن للمرأة حاملًا ومرضعًا أكبر النتائج في صحة تكوين الأبناء وصحتها هي.
ونعود لنقول: إن الأمة المجاهدة والناهضة والبانية أحوج إلى زاد متواصل يدفع بها إلى الأمام وينهض بها إلى معارج الفلاح.. ونحن أمة تحمل على عاتقها أعظم رسالة وأرقى حضارة إلى"العالمين"لتخرج البشر بها من الظلمات إلى النور ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.. إنه زاد التقوى والعمل الصالح ودوام الصلة بالله تعالى، فالذي يعجز عن قيام ليلة في صلاة ودعاء مثلًا لهو أعجز عن أن يقوم ليلًا مرابطًا في سبيل الله، والذي يعجز عن صيام يوم لن يقوى على ملاقاة العدو والصبر على مجالدته..
وهذا ملمح وفهم نستفيده من هذا الحديث الشريف وقد ورد ما يشبهه عندما سئل الحبيب عليه السلام عن أحب الأعمال إلى الله تعالى: فقال: الصلاة على وقتها.. ثم بر الوالدين.. ثم الجهاد في سبيل الله، فمن كانت بالله صلته مقطوعة وبوالديه مبتوتة هل يرجى منه خير في جهاد أو غيره؟ إنه البناء والتربية التي تبدأ بالنفس وتنتهي بالأمة رحمة للعالمين.
خامسًا- يقول الحديث"العمل الصالح"وإن أي عمل لا يكون صالحًا إلا بأمرين: أولهما الموافقة للشرع"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
وثانيهما الإخلاص"إنما الأعمال بالنيات"وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين"."
وعندما ذكر الحديث العمل لم يشترط إلا الصلاح، أما العمل فهو باب مفتوح على مصراعيه صغر العمل أم كبر، وهذا يدخلنا إلى موضوع مهم جدير بالوقوف عليه والاعتناء به حتى يتجلى للكثيرين، ألا وهو مفهوم العبادة ونحن نعيش أجواءها في الأيام المباركات، فالعبادة باختصار هي كل عمل صالح يعود نفعه وأثره الإيجابي على النفس والأسرة والمجتمع والأمة والكون، فكل عمل صالح عبادة في كل الأيام وعلى الأخص في الأيام العشرة المباركة لورود النص فيها، حتى يعرف المسلم أن كل حركة وسكنة مع التوجه إلى الله عمل صالح"عبادة"، فلا ينصرف الذهن عن سماع كلمة عبادة إلى العبادات المخصوصة التي يعرفها الجميع من صلاة وصيام وزكاة وحج.. فقط
والآية المحكمة الجامعة في هذا الشأن ولم تستثن نفسًاَ أو نبضة أو ثانية من الزمان إلا ودخل فيها مفهوم العبادة العام.
)قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين(.
فالصلاة والنسك بالمعنى الخاص والحياة والممات بالمعنى الأعم الأشمل الأوسع.. الحياة بحركتها والموت بسكونه، والنوم من معاني الموت.
وقد ذكر النبي الكريم أمثلة على سبيل البيان والتمثيل لا الحصر:"في كل تسبيحة صدقة.. وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة.. وفي بضع أحدكم صدقة.. واللقمة تضعها في في زوجك لك بها أجر.. وإماطة الأذى عن الطريق صدقة.. والحياء من الإيمان.. ودخل رجل الجنة بكلب سقاه.. ودخلت النار امرأة في هرة حبستها حتى ماتت.. وتبسمك في وجه أخيك صدقة.."والمسلم يتوجه بالدعاء إذا دخل منزله وإذا خرج منه وعند النوم وفي الأرق وعند القيام من نومه وعند دخول المسجد والخروج منه وعند دخول الحمام والخروج منه وإذا لبس أو أكل أو شرب أو دخل السوق.. إلخ
وهكذا نرى أن العبادة والعمل الصالح هي حياة المسلم بكل تفاصيلها )أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ( ) استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم( هذا ما جال في الخاطر سريعًا وقت قراءة الحديث الشريف وبالله التوفيق.