إن أول شيء أخبر الله به عن فرعون: أنه علا في الأرض وتجاوز فيها الحد وطغى وبغى.
وثانيها: أنه جعل أهلها شيعًا وأحزابًا يستعين ببعضهم على بعض، ويذل بكل حزب ما عداه من الأحزاب ويذلهم جميعهم بعضهم ببعض، ويأمنهم جميعًا بواسطة ذلك التحزب، الذي غرسه فيهم، حتى إذا تحرك حزب لمناوأته قام حزب آخر ليدافع عنه، وعلى هذه السياسة الفرعونية سار المستعمرون الذين احتلوا البلاد الإسلامية، جعلوا أهلها شيعًا وأحزابًا سياسية، فشغلوا الأمم عنهم ببعضهم ووجهوا دفة الجهاد والقتال إلى ناحية غير الناحية التي تريدها الأمة وكما هو مشاهد اليوم في واقع الأمة الإسلامية.
ومن عجيب أمرهم أنهم يخلقون هذه الأحزاب، ويغذون فيها الحزبية بأساليب شيطانية، ثم مع ذلك يطالبونهم بالوحدة. إن الوحدة لا تتم مادامت الأمة واقعة تحت هيمنة أعدائها الذين يحرصون على تفتيت قوتها وتمزيق صفوفها واختلاف كلمتها.
وكأ، فرعون كان إمامًا للمستعمرين الغاصبين للبلاد الإسلامية ، يسيرون على منواله يترسمون خطواته. وستكون نهايتهم كنهاية إمامهم فرعون الذي أخذه الله تعالى نكال الآخرة والأولى. هؤلاء الكفار الذين نالوا من الأمم المستضعفة والفقيرة قرونًا، ستدور عليهم الدوائر ، وسيسقيهم الله الكأس الذي تجرعه من قبلهم ? فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذّنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِِهِِِم فَلا يَسْتَعْجِِلُون ? [ الذاريات:59]
والأمر الثالث: في سياسة فرعون وأخلاقه أنه استضعف طائفة منهم، وهي الطائفة التي استمرأت الذل والهوان وفقدت مناعتها الخلقية من الشجاعة والإباء، وكما نلاحظ من التعبير القرآني أنه قال: ? يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُم ? [ القصص:4] ولم يقل يستضعفهم، لنعلم أن الذل والهوان إذا حل بقوم لم يعمهم جميعًا، بل سيحل بطائفة منهم، وهكذا يفعل اليهود والنصارى المستعمرون وأذنابهم .. يستضعفون طائفة من الأمة - ولا تخلوا الأمة من ضعفاء فيغرونها بالمال تارة، وبالمنصب تارة أخرى، ليضموها إليهم، حتى إذا هبت الأمة تطالب بحقها وتثأر لدينها وكرامتها وتذود عن حياضها وحرماتها، قامت لها تلك الطائفة فوقفت في سبيلها، وحالت بينها وبين ما تريد.
وهل بلاء المسلمين بالأمس واليوم في أنحاء المعمورة إلا على يد طائفة منهم، تناصر أعداء الإسلام وتتعاون معهم، وتقوم بدور الشرطي الحارس للمستعمرين، وتنفذ خططهم الرامية إلى تعطيل شعائر الإسلام، وتخريب دور العلم ونهب ثروات الأمة والعمل على تكريس التخلف والفقر حتى لا تنهض الأمة، كل ذلك يتم عن طريق طائفة من أبناء جلدتنا يتكلمون بألسنتنا استضعفها الأعداء .. ومن ضعفها وهوانها أنها قنعت بالسلطان الزائف. والحكم المستعار ورضيت أن تعيش كما تعيش الأنعام بملء بطونها لا إرادة لها ولا كرامة ولا اختيار. فعلى الأمة أن تتفطن لتلك الطائفة، وأن تأخذ على أيدي الظلمة وأن تقف في وجه الاستبداد حتى لا يتسرب الضعف إلى فئات وطوائف أخرى، فيصبح الداء عضالًا، والعلاج مستعصيًا. وإن من صور الفساد والإفساد في سياسة فرعون أنه جعل أهل مصر شيعًا وطوائف وأحزابًا، ووقع أشد الاضطهاد والبغي على بني إسرائيل فقد كانوا يدينون بدين جدهم إبراهيم وأبيهم يعقوب ومهما يكن قد وقع في عقيدتهم من انحراف وفساد فقد بقي لهم أصل الاعتقاد بإله واحد، وإنكار ألوهية فرعون، والوثنية التي كان عليها المصريون.
ولقد أحس الطاغية أن هناك خطرًا على عرشه وملكه من وجود هذه الطائفة في مملكته، ولم يكن يستطع أن يطردهم منها وهم جماعة كبيرة تعد بمئات الألوف ، وإن فعل ذلك وأخرجهم فقد يكونون عليه مع الدول المعادية له، فابتكر طريقة جهنمية خبيثة للقضاء على الخطر الذي يتوقعه من هذه الطائفة، تتلخص في تسخيرهم في الأعمال الشاقة والخطرة، واستذلالهم وتعذيبهم بشتى أنواع التعذيب. ثم أتبع ذلك كله بتذبيح الذكور من أطفالهم عند ولادتهم، واستبقاء الإناث كي لا يتكاثر عدد الرجال فيهم. وبذلك يضعف قوتهم بنقص عدد الذكور وزيادة الإناث ، فوق ما يصبه عليهم من نكال وأذى.
وهكذا فعل الفراعنة المستعمرون في القرن الماضي مع المسلمين حيث كانوا يستخدمون وسائل عديدة من التهجير والتعقيم الإجباري للمسلمين والتطهير العرقي حتى لا يكثر عددهم في البلدان التي يهيمن فيها الفراعنة في العصر الحديث .
وقد روي أن فرعون وكَّلَ بالحوامل من بني إسرائيل قوابل مولدات يخبرنه بمواليد بني إسرائيل، ليبادر بذبح الذكور فور ولادتهم حسب خطته الجهنمية الخبيثة التي لا تستشعر رحمة بأطفال أبرياء لا ذنب لهم ولا خطيئة.