فهرس الكتاب

الصفحة 15710 من 27345

وبالمقابل، حين يضرب الشارع مثالًا للعقوق، فإنه يمثله بأدنى صوره؛ ليزجر النفوس المسلمة عما هو أشنع منه فعلًا، وأقبح منه جرمًا، ففي القرآن الكريم يضرب الشارع مثالًا للعقوق بقوله: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا) . فهذه الكلمة المكونة من حرفين (أفٍ) اعتبرها الشارع من العقوق، إذًا فكيف بمن تفوّه بما هو أكثر منها عددًا، وأقسى لفظًا، وأقبح معنى! وحين حذّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من سبّ الوالدين في قوله:"لعن الله من سبّ والديه"لم يفسر سبّهما بمواجهتهما بالسبّ والشتم، كلا, وإنما فسره بقوله:"يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه"، وكأن سبّ الوالدين- حاضرًا, أو مستقبلًا - لا يقع من ولد مسلم لوالده مواجهة, وإنما من حيث لا يشعر من وقع منه السب، بحيث يكون سبه للغير ذريعة لذلك، وإذا كان ذلك كذلك، فكيف بمن يسب والديه، ويقابلهما بالكلام المستهجن والقبيح، لا شك أن إثمه أكبر, وعقوبته أعظم، كما يدل عليه السياق تلميحًا لا تصريحًا، وهو كما ترى أبلغ من أسلوب التصريح الذي تنبو منه الأسماع.

وحين أراد الشارع أن يجسد صورة من صور العقوق بين ولد ووالده، لم يضرب مثالًا صريحًا وبالغًا في القبح والدناءة، ولم يضرب مثالًا ظاهرًا للعيان، يبدو للمكلف من أول وهلة بأنه عقوق، وإنما ضرب مثالًا يدع المكلف في حيرة، ويلتبس عليه الأمر كما التبس ذلك على جريج العابد في قصته المشهورة مع أمه، حين نادته وهو في صلاته، مقبل على ربه، فأُرتج عليه، وقال: يا رب أمي وصلاتي، ومع وقوع هذه الحيرة منه، وجهله بالواجب عليه هل يقبل على صلاته، أم يجيب أمه، مع هذا كله، فإنه حين دعت عليه أمه أن يرى وجوه المومسات، استجاب الله دعاءها، وقد جاءت القصة في سياق أثر التأخر عن إجابة نداء الوالدة، وسوء عاقبته، ولاسيما مع حاجتها الملحة، وكونه في صلاة نفل لا فرض، بحيث أصيب جريج بدعوة أمه، مع فرط عبادته، وكأن الشارع أراد من المسلم أن يعتبر بذلك، وألاّ يصل إلى هذا الحد الذي وصل إليه جريج، فيبوء بالعقوبة العاجلة، ولو كان عابدًا في صومعته، فضلًا عن أن يجرؤ عاق أن يقدم على ما هو أعظم من هذا وأشنع، وهنا يتجلى الأسلوب الإلهي الحكيم في التحذير من العقوق، والتخويف من مغبته بأدنى صوره، وأخف أشكاله، والله تعالى أعلم وأحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت