فهرس الكتاب

الصفحة 15753 من 27345

ويقول تبارك وتعالى: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ، إلا الذين ظلموا منهم ) . هذه الآية ينهى الله - تبارك وتعالى - فيها أن يجادل أهل الكتاب جدلًا مذمومًا وذلك لأن أهل الكتاب بطبيعتهم أهل جدل وأهل شقاق وأهل مراء ونعرف هذا في كتاب الله تبارك وتعالى ،فقد قصَّ الله عز وجل علينا قصص بني إسرائيل وقص علينا أخبارهم وأنباءهم ، اقرؤوا سورة البقرة في أولها وكيف كان أولئك يتخاطبون مع نبي من أنبياء الله تبارك وتعالى ، كيف كانوا يتخاطبون مع موسى حين قال:

(إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ، قالوا أتتخذنا هزوا - أهذه لغة يخاطب فيها نبي من أنبياء الله ؟! - قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ، قالوا ادع لنا ربك( لاحظ الخطاب ) ادع لنا ربك ) كأن الله في منطق هؤلاء رب لموسى وحده …

( ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ) …

(ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ) …

( ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا ) …

وحين قال لهم موسى: ( ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ) ، بدأ الحوار معهم بمقدمة وكأنه كان يتوقع منهم هذا اللجَجْ والخصومة فذكرهم بنعمة الله عليهم ( اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكًا وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين ) ... ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين . قالوا يا موسى إن فيها قومًا جبارين و إنَّا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون . قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) ثم قالوا بعد ذلك: ( قالوا يا موسى: إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون - حتى وصل موسى إلى اليأس - قال ربَّ إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) . وحين كتب الله عليهم التيه أربعين سنة تاهوا في الصحراء حتى ذهب هذا الجيل جيل الهزيمة جيل الجدل والخصومة، وجاء الجيل الجديد ثم أرسل الله إليهم يوشع بن نون وبدأهم من البداية وخطبهم وقال: (( لا يتبعني أحدٌ بنى دارًا ، ولم يرفع سقوفها ، ولا يتبعني أحدٌ قد تزوج امرأةً ولمَّا يدخل بها - يعني أي إنسان متعلق بالدنيا فلا يتبعني - ثم قال للشمس:"أنت مأمورة وأنا مأمور"فحبس الله الشمس حتى فتح الله عز وجل له الأرض المقدسة ) )هكذا كان بنو إسرائيل يتعاملون مع الأنبياء ولهذا في هذه الآية يأمرنا سبحانه وتعالى أن نجادل بني إسرائيل . لكن بالتي هي أحسن .

الأمر الثاني: الحوار من منهج الأنبياء

حينما نقرأ القرآن نجد أنه كثيرًا ما يورد لنا قصص الأنبياء والتي ما وجدت عبثًا وما ملئ بها القرآن حشوًا ، بل خاطبنا الله عز وجل بها لنعتبر ونتعظ ونأخذ من سير الأنبياء عليهم السلام منهجًا، فهم يمثلون قمة النجاح في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، وقمة النجاح في استخدام الأسلوب المناسب مع أقوامهم ، حينما تقرأ قصص القرآن نرى أنها لا تكاد تفتقد الحوار والجدل بين الأنبياء وأقوامهم ، أي قصة من قصص الأنبياء، فكانوا يخاطبون أقوامهم ، ويجادلونهم أفرادًا وجماعات ، ومن ذلك على سبيل المثال:

نوح وقومه ؛ هاهم قوم نوح يعلنون الشكوى أمام نوح أنهم لم يعودوا يصبروا على جداله ( قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) فقد شعروا أنهم قد أُلجموا بالجدل والخصومة فهربوا إلى بابٍ آخر- وهذا شأن المكابرين المعاندين - فانصرفوا واستعجلوا العذاب

( فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) فيجيبهم نبي الله بالمنطق الذي كان يليق بأنبياء الله بأن قضية العذاب قضية لا تهمه وأنها أمر بيد الله عز وجل ( قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ) فهذه ليست قضيتي ، ولست مسؤولا عن عذابكم إنما هذا أمرٌ بيد الله إذا شاء الله أن يعذبهم فسيعذبهم ، أمّا الحوار والجدل معهم فهي قضية ليست مقصودة لذاتها إنما كان ذلك لأجل النصيحة لهم ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ، إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت