فهرس الكتاب

الصفحة 15759 من 27345

سادسًا: العقاب الأخروي في نار الجحيم مرتبط هو الآخر بالعمل: (( ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلاَّ ما كنتم تعملون ) (( فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنَّا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون ) )، وحين يطالبون بالعودة إلى دار الدنيا -وأنَّى لهم ذلك- فهم إنَّما يطلبونها من أجل أن يمكنوا من العمل؛ فقد أدركوا الآن قيمة العمل، فقد نسوا الدنيا التي كانوا يعيشون فيها من أجل الشهوات الفانية: من أجل المال، من أجل الجاه، وتلك المعاني التي كانت تستحق عندهم التضحية بالمبادئ، وبكل ما يملكه الإنسان؛ فهم يريدون العودة إلى الدنيا لأجل أن يعملوا: (( و هم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحًا غير الذي كنَّا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكَّر ) (( فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنَّا نعمل ) ).

سابعًا: التفكير في آيات الله عز وجل وما يتبعه من مشاعر لا بد أن يتحول إلى رصيد عملي يقول الله عز وجل: (( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب * الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار * ربنا إنَّنا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنَّا ربَّنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنَّا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار * ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد * فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيل وقاتلوا وقتلوا لأكفرنَّ عنهم سيئاتهم ولأدخلنَّهم جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار ) )هذا التفكير وهذا الدعاء دعاهم إلى العمل (( فاستجاب لهم ربهم أنِّي لا أضيع عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى ) )، وما هو هذا العمل؟ (( فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا ) )، إن الهجرة والإيذاء في سبيل الله عز وجل وما يتبعها إنما هي نتيجة لذلك العمل الذي كانوا يقدِّمونه، حين تصدَّوا لحمل دين الله عز وجل ودعوة الناس إليه حتى واجهوا ما واجهوا من قومهم وأوذوا وقاتلوا وقتلوا وأخرجوا من ديارهم، وهاجروا من أجل أن يفرِّوا بدينهم من تلك الفتنة التي تعرضوا لها. إنَّ هذه الهجرة مع أنّها عمل، وهذا الإيذاء الذي تعرضوا له مع أنه عمل إلاَّ أنهما أيضًا ناشئان عن عمل وجهد، فلن يتعرض للإيذاء ولن يضطر للهجرة إلاَّ ذاك الذي واجه الأعداء بما يكرهون، والذي أعلنها صريحة مدوية في وجه الأعداء فاضطر لأن يتحمل الأذى والضيم في سبيل الله عز وجل، ويُتبع ذلك بالخروج من تلك الديار وتلك البلاد فارًا بدينه من الفتن.

ثامنًا: والوعظ والتأثر به والخوف من الله سبحانه وتعالى لابد أن يقود إلى العمل؛ فينتج رصيدًا عمليًا: (( يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرا * ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منك جزاءً ولا شكورًا، * إنَّا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرًا * فوفاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ) )، لقد كانوا يخافون من هذا اليوم العبوس القمطرير، فماذا كان أثر هذا الخوف؟ وماذا كانت نتيجته؟ لقد دعاهم هذا الخوف وهذا التأثير الذي لمسوه في قلوبهم إلى أن يطعموا الطعام على حبه للمسكين واليتيم والأسير، وفي آية أخرى (( ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) ).

وهكذا سائر المشاعر القلبية؛ فالحب الذي هو شعور من المشاعر القلبية التي تختلج في مشاعر الإنسان لابد أن يدفع إلى العمل (( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني بحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) ).

تاسعًا: لقد مقت الله عز وجل القول بغير عمل وذمه وعابه: (( يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) )،وأتبعت هذه الآيات بقوله: (( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص ) )، فالله سبحانه وتعالى إنما يحب العاملين، إنما يحب المقاتلين الذين يجاهدون في سبيل الله عز وجل، الذين يعملون ولا يشغلهم القول عن العمل.

هذه شواهد متضافرة من كتاب الله سبحانه وتعالى الذي نتلوه جميعًا صباح مساء كلها تدعونا إلى العمل، وكلها تجعل القضية مرتبطة أصلًا بالعمل.

وفي السنة النبوية دعوة للعمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت