والآخر الذي تصدَّى لإنكار المنكرات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار ليله في الأسواق والمجامع العامة، أو في مراكز الاحتساب متحملًا الأذى والمضايقة، بل حتى الامتناع من حضور هذه المجالس حيث لا تتيسر له. وقبل يومين كنت أتحدث مع أحدهم فصار يحدِّثني عن موضوع هذه المحاضرة ويقول إنه لن يتيسر لي حضورها لأنِّي منشغل بهذا العمل وهذا الميدان، فقلت: لا يعنينا حضورك؛ فأنت من العاملين ولست بحاجة إلى أن ندعوك إلى العمل.
والرابع الذي رقَّ قلبه للأكباد الجائعة والبطون الخاوية، فصار يقوم على المحتاجين، فيعتني بشؤونهم ويقوم برعايتهم في المبرَّات الخيرية أو الجمعيات الاجتماعية، التي تسهر على رعاية حال أولئك.
وهل ننسى بعد ذلك ذاك الشاب الذي اختار الغربة والبعد عن العشيرة والأهل، ليعمل في منطقة نائية محتسبًا لله عز وجل، فلله درُّه كلما رأيناه تذكرنا التضحية والصدق والعزيمة الجادة، وتذكرنا مصعب بن عمير ومعاذ بن جبل -رضوان الله عليهم- وغيرهم من أولئك الذين كانوا يغتربون للدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى.
إنها صور كثيرة مشرقة من صور أولئك العاملين، فها هو الميدان أمامك فإن شئت فاقرأ التاريخ: تاريخ الأنبياء والدعاة والمصلحين، تاريخ سلف هذه الأمة، وإن شئت فانظر إلى هذه النماذج التي تراها بعينيك؛ فترى هذه النماذج الفعَّالة العاملة، إنها كلَّها تقول بلسان حالها: هيا إلى الميدان والعمل، كلها تدعوك بلسان الحال والمقال إلى العمل الجاد والمنتج.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.