هو بأن يلتف الغيورون في مدنهم وقراهم حول من يعرفون صدقهم في القيام بهذا الأمر من المشايخ وطلبة العلم بحيث يوجهونهم بالطريقة الشرعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بحيث يخرجون إلى أماكن المنكرات ، قال تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ) ولحديث ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) .
فيجتهدون بما يستطيعون من الأمر بالمعروف والنهي عن ا لمنكر والنزول إلى الأسواق والتجمعات وأماكن المعاصي ، يأمرون وينهون بلا سوط ولا سيف فوالله (لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ) ولقد كان هدي الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والعلماء الذهاب إلى أماكن المنكر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع من تيسر من المسلمين الغيورين , نصحا للمسلمين ومعذرة إلى الله ، ودفعا لعقوبة الله قال تعالى ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) .
وكما أن في هذا العمل المبارك بهذه الطريقة من دفع البلاء واستجلاب النعماء ففيه أمر كبير وعظيم ومهم وهو قَطْع الطريق على من يستهينون بأهل الدين ولا يرعون لهم حرمة فيقطعونهم أفرادا أو مجموعات قليلة , لأن ما وصفنا هنا مجال واسع لفئات كثيرة في كل بلد وقرية من هذه الجزيرة ، وقد لمسنا منهم الإقبال على الخير والتعطش لقيام هذا الدين على حقيقته التي يريدها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم له فهذا قاطع للاستحواذ والسيطرة على أهل الدين وإذلالهم حيث يترتب عليه:
أ?- معية الله ونصره وتأييده .
ب ـ كون هذا هو المناسب للحد من الاستهانة بأهل الدين واقتطاعهم وفتّ عضدهم مما يعرفه أهل الدين كلهم من واقعهم المحسوس اليوم , فإذا قام في كل بلد وقرية رجال على هذا التوجيه الذي سبق بيانه فهذا سيحدّ من تسلط المضاد بحول الله وقوته وفيه مدافعة للظالمين بالتآزر والتعاون بين أهل الخير ، لقطع التلاعب بأهل الدين قال تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) .
ومن حاك في صدره الخوف من أهل المنكر أو من ورائهم فليتأمل موقف إبراهيم عليه السلام ( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون . الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) وليتأمل مواقف غيره من الأنبياء مع أقوامهم ليتقوى قلبه ويثق بضمان ربه فيقدم غير هياب ولا وجل لأنه يأوي إلى ركن شديد ، وليعلم أنه قد يبتلى فعليه أن يحتسب ذلك في ذات الله عز وجل حتى يتحقق له
الخير .
أخي طالب العلم: إنه ليس أحد أحق بالشجاعة والجرأة في الحق من ورثة علم النبوة وعملها فهم جند الله والموقعون عنه .
ولنتأمل أيضا ما بايع عليه الصحابة الكرام نبيهم صلى الله عليه وسلم فقد بايعوه على أن يقولوا الحق حيث كانوا لا يخشون في الله لومة لائم لما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه المتفق عليه .
قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله: فلو قدر أن رجلا يصوم النهار ويقوم الليل ويزهد في الدنيا كلها وهو مع ذلك لا يغضب لله ولا يتمعر وجهه ولا يحمر فلا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر فهذا الرجل من أبغض الناس عند الله وأقلهم دينا, وأصحاب الكبائر أحسن عند الله منه .
وقد حدثني من لا أتهم عن شيخ الإسلام وإمام المسلمين ومجدد القرن الثاني عشر محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - أنه قال مرة: أرى ناسا جلوسا في المساجد على مصاحفهم يقرؤون ويبكون , فإذا رأوا المعروف لم يأمروا به , وإذا رأوا المنكر لم ينهوا عنه , وأشوف أناسا يعكفون عندهم يقولون هؤلاء لِحىً غوانم , وأنا أقول: إنهم لحى فوائن.... {أي لحى خبيثة} فقال السامع: أنا ما أقدر أقول: إنهم لحى فوائن ... فقال الشيخ: إنهم من الصم البكم .
ويشهد لهذا ما جاء عن بعض السلف أن الساكت عن الحق شيطان أخرس والمتكلم بالباطل شيطان ناطق ، فلو علم المداهن الساكت أنه أبغض الناس عند الله - وإن كان يرى أنه طيب - لتكلم وصدع اهـ . مجموعة رسائل حمد بن عتيق 1/124.
واعلم أخانا في الله أن التخاذل عن الأمر والنهي سبب لوقوع كوارث وبلايا كثيرة على الفرد والمجتمع منها ما يلي:
1 ـ إهلاك الساكتين مع المجرمين حين حلول العقوبة .
2 ـ انتفاء الخيرية عن هذه الأمة .
3 ـ سهولة ركوب المعاصي والمجاهرة بها .
4 ـ عدم استجابة الدعاء .
5 ـ ظهور غربة الدين وأهله لانتشار المنكر وقوة أهله .
6 ـ إلف المنكر والاعتياد عليه والإنكار على من أنكره .
7 ـ انتشار الجهل بأحكام المنكرات .
8 ـ حصول اللعن والطرد من رحمة الله ، والعياذ بالله .