فهرس الكتاب

الصفحة 15822 من 27345

وهي نفس رؤية خطاب التيار الإسلامي، في كل عصر؛ الذي يعبر عن رؤية أمة، اكتسبت خيريتها من الخروج إلى الناس، كل الناس، لتقودهم، إلى خَيْرَي الدنيا والآخرة،؛ أمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، منطلقة من قاعدتها الإيمانية، ولتكون شهيدة عليهم:"كنتم خَيْرَ أُمةٍ أُخْرِجَتْ للناسِ تأمرون بالمعروفِ وتنهوْن عن المنكرِ وتؤمنون باللهِ". [8]

النقطة الثانية: تبين فقهه للسنن الإلهية في الذنوب؛ والظلم، والطغاة، والابتلاء؛ وهي القوانين الربانية التي من ثمار فقهها ومعرفتها؛ الرؤية العميقة لقراءة مصير الأمم والجماعات والمؤسسات والأفراد:

وتدبر كيف ختم الرجل المؤمن حواره الهادئ، محذرًا صاحبه من الخطر القادم، من قِبَلِهِ سبحانه؛ ذلك الخطر الذي يأتي دومًا نتيجة لمقدمات معروفة، وحصاد لأسباب معلومة:"ويُرسِلُ عليها حسبانًا من السماءِ فتُصْبِحَ صعيدًا زَلَقًا. أو يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فلن تستطيعَ لهُ طَلَبًا".

هكذا ختم حواره، بنبره تحذير وإنذار، معلنًا في ثقة: إن الله عز وجل المعز المذل، قادر على أن يوكلك إلى سبب عزتك وبطرك وغرورك، ولن ينفعك عندما يرسل ما لم تحسب له حسابًا؛ إن الله قادر على أن يهلك جنتيك ويدمرهما. فتوقع يا صاحبي صاعقة مدمرة، تدمر جنتيك، وتزيل ما فيهما، فتصبح كل واحدة منهما ترابًا أملسًا أجردًا. أو توقع أن يذهب النهر الذي بين الجنتين، وأن يغور في باطن الأرض بأمره سبحانه، ولن تستطيع أن تعيده!.

وهي نظرة مستقبلية استشرافية، لا يدَّعي فيها الرجل المؤمن علمه بالغيب، ولكنها مبنية على قراءة تاريخية ماضوية، واستقراءٍ لحاضر تشهد مسبباته بالمصير المستقبلي المتوقع.

فلمسنا كم كانت دراية ووعي الرجل المؤمن، بكل شهود التاريخ البشري، وبكل سنن الله عز وجل الإلهية في الأنفس أي في عالم الأحياء؛ وهي السنن الإلهية الاجتماعية، وفي الآفاق أي في عالم المادة؛ وهي السنن الإلهية الكونية.

وتوقع لصاحبه الكافر مصيرًا، يفسره ويدركه كل من فقه السنن الإلهية المختلفة؛ والتي تعين على قراءة المستقبل من خلال استقراء الحاضر.

فراسة ... يصنعها فقه حضاري!!

ولو تدبرنا المواقف الراقية لهؤلاء الرواد العظام؛ لوجدنا الكثير من الملامح التربوية الطيبة:

1-قليلٌ هم أولئك الذين يفكرون عكس التيار؛ فيقرأون المستقبل المغاير للحاضر، فيكون تفاعلهم مع الأحداث مختلفًا عن غيرهم.

2-قليلٌ هم كذلك الذين يفقهون سننه سبحانه الإلهية؛ لأن هذا الفقه يهبه سبحانه لمن يستجيب لندائه سبحانه:"أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ". [9]

أي يقرأوا التاريخ فيتدبروا عوامل سقوط ونهوض الحضارات والأمم والمؤسسات بل والأفراد.

وعندما نقول أنهم فقهوا السنن الإلهية، فإننا نقصد أنهم عرفوا القوانين الربانية، والقواعد الإلهية الثابتة، وهي التي تؤدي إلى نتائج معينة، لوجود أسباب بشرية وزمانية ومكانية معينة، انطبقت عليها هذه القوانين الإلهية فكان الجزاء أو النتيجة من جنس السبب أو العمل.

وهذه السنن الإلهية تتميز بسمات ثلاث؛ هي العموم والثبات والاطراد أي التكرار إن وجدت الظروف البشرية والمكانية والزمانية.

ونذكر أن السنن الإلهية؛ هي:

أولًا: سنن إلهية كونية؛ تنظم عالم المادة في الآفاق.

ثانيًا: سنن إلهية اجتماعية؛ تنظم عالم الأحياء أو الأنفس خاصة البشر.

والقسم الثاني هو الذي يهمنا؛ وهو ما يعرف بالفقه الحضاري.

وهو الفقه الذي يستمد مادته من قراءة التاريخ، ومن التدبر في القصص القرآني.

فكل حدث تاريخي أو بشري فردي أم جماعي، إنما له أسباب أوجدته.

وهذه الأسباب أوجدت خللًا.

وهذا الخلل أوجب العقاب الإلهي؛ أو الجزاء.

وهذا العقاب أو الجزاء تحكمه قوانين؛ تعرف بالسنن الإلهية الاجتماعية.

والمعادلة أو القانون أو سلسلة تتابع هذه السنة الإلهية؛ هي كالتالي:

(أسباب تعود إلى العبد -> خلل تربوي -> عقاب إلهي على هيئة جزاء من جنس العمل) .

3-ومن هذه السنن الإلهية الاجتماعية؛ التي فقهها هؤلاء الرواد؛ (سنة الله في الأسباب والمسببات؛ أو قانون السببية:"فأمَّا من أعطى واتقى. وصدّق بالحسنى. فسنُيسِّرُهُ لليسرى. وأما من بَخِلَ واستغنى. وكذّب بالحسنى. فسنُيَسِّرُهُ للعسرى". [10]

ومنها سنة الله في الفتنة؛ أو قانون الابتلاء:"إنَّا جعلنا ما على الأرضِ زينةً لها لِنَبْلُوَهُم أيُّهُمْ أحسنُ عملًا". [11]

ومنها سنة الله في الظلم والظالمين؛ أو قانون الظلم:"ولقد أهلكنا القرونَ من قبلكم لَمَّا ظلموا". [12]

ومنها سنة الله في الطغيان والطغاة؛ أو قانون الطغاة:"الذين طَغَوْا في البلاد. فأكثروا فيها الفسادَ. فصبَّ عليهم ربُّكَ سوْطَ عذابٍ. إن ربَّكَ لبالمرصادِ". [13]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت