والأمر بالقرار في البيوت يستفاد منه الانقطاع والتفرغ للمجتمع في الداخل وترك الظهور والبروز لغيرهن، ولا أدل على ذلك من النهي عن ممارسة صفة التبرج الذي يفهم منه عدم الظهور والبروز لأن ذلك خروج للمرأة عن دورها وليس المراد عدم القيام بالأعمال التي تخص المرأة وعدم الخروج لها فذلك مما لا يكلف اله به البشر وإنما المقصود من هذا التوجيه الرباني أن تمارس المرأة عملها وتقتصر نفسها عليه دون التطلع للبروز والظهور للقيام بأعمال ليس مما هو من عملها ولذلك أمرها الله تعالى بمزاولة مهنة التعليم في هذا المجتمع الداخلي الذي يعجز الرجل أن يبقى فيه كما أن المرأة يصعب عليها مزاولة الأعمال البارزة لكونها تتنافى طبيعتها الأنثوية ومهما روضت المرأة لهذه الأعمال وبذلت الجهود لصناعتها امرأة برزة فإن حنينها دومًا يكون لأول منزل وميلها دائمًا إلى ما فُطرت عليه [ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ] ذلك فكما أمر الرجل بالتحرك والبروز لأداء واجباته ونشر دين الله عز وجل والتعليم ومزاولته الأعمال التي لا تصلح إلا له كذلك أمرت المرأة بالنصف الآخر الذي ينفر منه الرجل ولا يستطيع البقاء وراء الجدران لما فطر عليه وهيئ له [ ألا يعلم من خلق ] أمرت المرأة بلزوم واجبها والقيام بمسئوليتها المتروكة لها وراء الجدران وبطون البيوت وداخل المجتمع ، ولهذا أمرت بعد ذلك كما أمر به الرجل من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولهذا كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل من الصلاة في مسجد حيها، لأن الصلاة في المسجد يتطلب الظهور والبروز وهذا نابع للأمر بالقرار في الداخل إذًا فعمل المرأة هو القيام بالدعوة والإدارة والإصلاح والبناء داخل المجتمع وهو النصف الأدل والمهم وأما العمل والدعوة والإصلاح خارج المجتمع وهو النصف الآخر فذلك من شأن الرجل وحده ومن هنا وجب علينا عدم الخلط في المفاهيم وعدم التعدي في الوظائف وإن مما يدعو للحسرة أن الدعوات الشاذة تعمل جاهدة لتهيئ الفريقين لعمل واحد وهو العمل الخارجي وتحطيم الوظائف الداخلية للأمة وتعطيل المؤسسة الفاعل؛ لقد حدد الله عمل المرأة المرتبط بالقرار الداخلي للمجتمع البعيد عن الاختلاط ثم أمر المرأة بمزاولة مهنة الدعوة والتربية والتعليم داخل هذا القطاع كمؤسسة مستقلة ثم ساوى بعد ذلك بينهم فيما ليس فيه ظاهر ولا باطن ثم قال: [ إن المسلمين والمسلمات إلى قوله: أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا ] فهذه الآيات المباركات بينت القسم الذي يختص بالنساء دعوة وعملًا وإصلاحًا ثم بينت وجه المساواة بين الجنسين وأنه متى قام كل فرد منهم بوظيفته الخاصة والعامة قيامًا يقوم على الإسلامي والإيمان والتصديق والذكر نال كل واحد من الفريقين أجره العظيم.
ومما تقدم أحسب أنه لا ضير علينا أن نقول: أن إصلاح نصف المجتمع يكون منوطًا بالمرأة ويتأتى ذلك ذلك متى عقل المسلمون ووضعوا خططًا واضحة وجداول تبين حدود الأعمال البارزة التي تخص الرجال والأعمال الداخلية التي تستدعي الستر والقرار مما يخص النساء وجدولًا يبين العمل المشترك للجميع [ المسلمين والمسلمات ...] وأزعم أنه متى أدركنا ذلك نكون قد سلمنا القوس للرامي واستلمت المرأة نصف العمل الإصلاحي الدعوي ويكون نمو المجتمع وانتشار الدين وارتفاع التنمية على الوجه المطلوب وذلك للأمرين التاليين:
الأمر الأول: أن النساء كالرجال عددًا بل قد يكن أكثر منهم كما دلت السنة المطهرة على ذلك وتجميد المرأة عن عملها وسلبها وظيفتها داخل قرارها يعني توفر العمل الداخلي المنوط بالمرأة وتوظيف الرجل بالقيام به وذلك يعني مضاعفة العمل عليه فيقل إنتاجه وتأثيره .
وعلى كل فيجب الامتثال لأمر الله ورسوله وتسليم المرأة قيادة عملها في مقرها وفي موقع قرارها حتى تمارس وظيفتها الداخلية داخل المجتمع المغلق والبيت المقفول فسيكون لها دور أكيد في الدعوة والإصلاح.