فهرس الكتاب

الصفحة 15936 من 27345

ولقد ضرب الله لنا نموذجًا لهؤلاء الناكثين الناكصين بقصة رجل آتاه الله آياته، وأسبغ عليه فضله ووهب له علمًا، ومنحه الفرصة كاملة للهدى والارتقاء والاتصال بخالق الأرض والسماء.. ولكنه مع ذلك آثر ما يفنى على ما يبقى وهبط من سموه وارتفاعه إلى الأوحال والطين. تأمل في قوله سبحانه وتعالى وهو يأمر رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بتلاوة ذلك النموذج بقوله الكريم: ? وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ ? [الأعراف:175-177] فقد شبه سبحانه من آتاه كتابه ، وعلمه العلم الذي منع منه غيره ، فترك العمل واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته والمخلوق على الخالق، بالكلب الذي هو من أفسد الحيوانات، وأوضعها قدرًا، وأخسها نفسًا. وهمته لا تتعدى بطنه. وأشدها شرهًا وحرصًا، ومن حرصه أن لا يمشي إلا وأنفه في الأرض يتشمم ويستروح حرصًا وشرهًا ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزاء جسمه. وهو من أمهن الحيوانات وأحملها للهوان، وأرضاها بالدنايا، والجيف القذرة أحب إليه من اللحم، والعذرة أحب إليه من الحلوى. وإذا ظفر بميتة تكفي مئة كلب لم يدع كلبًا يتناول معه منها شيئًا إلا نبح عليه وقهره لحرصه وبخله وشرهه ومن عجيب أمره وحرصه: أنه إذا رأى فقيرًا ذا هيئة رثة وثياب دنيئة، وحال مزرية، نبحه وحمل عليه ، كأنه يتصور مشاركته له ومنازعته في قوته، وإذا رأى إنسانًا ذا هيئة حسنة وثياب جميلة ورياسة، وضع له خطمه بالأرض، وخضع له ولم يرفع إليه رأسه وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على الله والدار الآخرة مع وفور علمه ومعرفته، بالكلب الذي هو في حال لهثان دائم سواء حملت عليه بالرجم والطرد أو تركته فاللهث لا يفارقه يلهث قائمًا وقاعدًا وماشيًا وواقفًا، آيات وعبر يبينها الله لنا وما يعقلها إلا العالمون.

فالذي تجرد عن الهدى وانسلخ من الإيمان والتقى شبيه بالكلب ، قال الحسن: هو المنافق لا يثبت على الحق، دُعِيَ أو لم يُدْعَ ، وُعِظ أولم يوعظ، كالكلب يلهث طردًا وتركًا.

وفي هذا المثل الذي ضربه الله لنا في كتابه حكم ودروس ذكرها العلماء رحمهم الله.

منها: قوله سبحانه? آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ? فالعلم هو محض فضل الله على الإنسان وهو نعمة أنعم الله بها عليه لكنه لم يشكر الله ويعرف قدر النعمة قال تعالى: ? فَانسَلَخَ مِنْهَا ? أي خرج منها، انسلخ كما تنسلخ الحية من جلدها ولم يقل فسلخناه منها لأنه هو المتسبب لذلك الانسلاخ باتباع هواه وشهواته لدناءته وحقارته.

ومنها قوله سبحانه: ? فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ? يعني أدركه ولحقه. وكان محفوظًا محروسًا بآيات الله محمي الجانب بها من الشيطان لا ينال منه شيئًا إلا على غرة وخطفة، فلما انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطان كما يظفر الأسد بفريسته ? فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ? العاملين بخلاف علمهم، الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه كعلماء السوء.

ومنها قوله تعالى: ? وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ? فأخبر أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم. فإن هذا الذي ضرب به المثل كان أعلم أهل زمانه ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه بها، ونعوذ بالله من علم لا ينفع. وإنما الرفعة عند الله تحصل باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله.

? وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ? ركن إلى الدنيا ولصق بها واتبع سفاسف الأمور ومسافلها ، وترك معاليها ولقد ختمت الآية بقوله عز وجل: ? سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ ? [الأعراف:177] .

وهل أسوأ من هذا المثل مثلًا؟ وهل هناك أسوأ من الانسلاخ والتعري من الهدى، وهل هناك أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى؟ وهل يظلم الإنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟ من يعريها ويجردها الغطاء الواقي والدرع الحامي ، ويدعها غرضًا للشيطان يلازمها ويركبها ، ويهبط بها إلى عالم الحيوان، الهابط اللاصق بالأرض الحائر القلق اللاهث وراء الدنيا لهاث الكلب أبدًا.

ما أكثر الذين يعطون علم دين الله ثم لا يهتدون به ولا يرفعون به رأسًا، وإنما يتخذون ذلك وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه. واتباع الهوى به كم رأينا وسمعنا من عالم يعلم حقيقة دين الله وحكمه ثم يزيغ عنها ويحرفها ويعلن خلافها.. ويضلل الأمة لهثًا وراء منصب زائف أو مال زائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت