والداعية نسّاء للهفوات من إخوانه، ينسى الإساءة ، ويستغفر لإخوانه فإن بقي في صدره شيء صارح بها إخوانه ، والعجيب من بعض دعاة الإسلام حين ينقب عن زلات إخوانه ويحفظ هناتهم ، ويخزنها في صدره ، فما أن تأتي مناسبة حتى يخرج كشف الحساب بالتواريخ والأرقام ، يتذكر التفاصيل التي يترفع عن ذكرها كل ذي مروءة ، مما يشف عن نفس غير صافية.وفيه يصدق قول القائل:
احذر مودة ماذق ... ...
شاب المرارة بالحلاوة
يحصي العيوب عليك ... ...
أيام الصداقة للعداوة (17)
أما نفس الداعية صاحب ذي النفس السوية والذوق الرفيع فهي تقول:
لاأنت قلت ولاسمعت أنا ... ...
هذا كلام لا يليق بنا
إن الكرام إذا صحبتهموا ... ...
ستروا القبيح وأظهروا الحسنا
والبعض يدير مجالسه كإدارة المؤسسات التجارية الربحية ، فيحاسب على القنطار والقطمير ، ولايقبل عذرًا ولايتغاضى عن هفوة ، بل ربما تعمد إحراج بعض إخوانه ، وألجأه إلى الكذب حتى يخرج من بعض المواقف ، والكريم يتحاشى إحراج الأبعدين ، بله الأقربين:
تسامح ولاتستوف حقك كله ... ...
وأبق فلم يستوف قط كريم
ولاتعدفي شيء من الأمر واقتصد ... ...
كلا طرفي قصد الأمور ذميم
قال ابن الأثير عن صلاح الدين"بلغني أنه كان جالسًا وعنده جماعة ، فرمى بعض المماليك بعضهم بسرموز (قشر موز) فأخطأته ، ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته ، ووقعت بالقرب منه ، فالتفت إلى الجهة الأخرى ، يكلم جليسه ، ليتغافل عنها (18) ".
وقد تفحم غيرك وتعلوه بالحجة لكنك لاتقنعه ، ومع ذلك فقد تملأ قلبه غيظا وحَنَقًا ، ويزداد الأمر شدة ، والجرح نكآءة ، حين يكون ذلك بمحضر من الآخرين ، ويظل الأمر يكبر في نفسه ، والشيطان يؤزه حتى يظهر هذا المخزون في أقرب فرصة على شكل نافورة تمج غلًا وكراهة وصاحبنا القاسي ، يفتح فمه ، دهشة وأسفًا.
وكثرة الحديث عن النساء من الذوق النابي ، والمقصود كثرة مايدور في مجلس بعض النبلاء من ذكر التعدد ، والتفاخر به ، والتحدي لمن لم يعدد .قال الأحنف"جنبوا مجالسنا ذكر النساء و الطعام ، فإني أبغض أن يكون الرجل وصافا لبطنه وفرجه"
والسخرية من أعمال الآخرين _خاصة _ الدعوية ، واستعمال كلمات مثل هذا العمل ،لعب ، وعبث ، ومضيعة للوقت ، سقطة لا تليق بالداعية. ولعل الله عز وجل قد اطلع إلى نية هذا المستهزأ به فقبل عمله القليل ، ويخشى على الآخر أن يكون ممن يدل بعمله ، فإن الشيطان يأتي للإنسان من طريق العجب أحيانًا ، ثم إن المحافظة على مشاعر الآخرين واجب شرعًا ليس لأحد أن يتخفف من ذلك ، والتوجيه يكون برفق ومحبة ، يشعر بها الآخر ، وليس لأحد أن يقول: هذا أنا وهذه طباعي ، فلا تؤآخذوني ، أو يكون كما قال الشيخ الطنطاوي- على لسان (صلبي) - عن أهل الحضر:أنهم يسيئون إساءة العدو ، ويعتذرون اعتذار الصديق . (صور وخواطر ، مقالة:أعرابي في سينما) .
قال د.عبد الله الرحيلي:وقد يزهد بعض الناس في التزام حسن الأدب والخلق مع أخيه ، بحجة أنه أخوه ، وليت شعري مع من يلزمه حسن الخلق إذن . (الأخلاق الفاضلة)
وهاك أخي القارىء كلمة عظيمة لابن حزم يحسن إيرادها في هذا المقام ، قال رحمه الله"لم أر لإبليس أصيد ولا أقبح ولا أحمق ، من كلمتين ألقاهما على ألسنة دعاته: إحداهما:"
اعتذار من أساء بأن فلانا أساء قبله . والثانية: استسهال الإنسان أن يسيء اليوم لأنه قد أساء أمس . أو أن يسيء في وجه ما لأنه قد أساء في غيره (19) "."
وهناك صنف من الناس يصوب نظره إلى عنصر الخير في الناس ، ويتعامل معهم على أساسه ، وينشره فيهم ، فهو كالنحل ، وهذا ممكن جدًا فإن الخير مركوز في الفطر ، وربما كانت عليه غشاوة رقيقة ، من جهل أو سوء خلق . وصنف آخر يصوب نظره إلى عنصر الشر في الناس وإلى الرذائل فيهم ويتعامل معهم على أساسه وينشره فيهم ، فيؤذي نفسه ويؤذي الآخرين ، فهو كالذباب .فكن كالأول ، ولاتكن كالثاني.
وأخيرا فإن من الأمور المعينة على تحصيل هذه الذوقيات وأمثالها ما يلي:
1.المطالعة في كتب الأخلاق الإيمانية ، والطرق الإحسانية. مثل: مدارج السالكين ، ,وتهذيبها لعبد المنعم العزي، وصيد الخاطر لابن الجوزي، وإحياء علوم الدين مهذبًا . وتلمس مثل هذه المعاني في دواوين السنة وسيرة المصطفي ، وسير النبلاء من أصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .
2.المطالعة الأدبية في كتب الأدب ، والنظر في دواوين الشعر ، قديما وحديثاّ ، فإن أكثر الأدباء لهم أحاسيس رقيقة ، مكنتهم من اكتشاف الأذواق الرفيعة .
3.المخالطة الاجتماعية لأهل الفضل ، وأبناء العوائل الأصيلة ، والعلماء والكتاب ، وذوي الذوق حتى من غير أهل الالتزام ، والخروج من مجتمع الدعاة إلى المجتمع الواسع ، فإن في أشراف الناس بقية خير وافر ، وإن قصروا عن إدراك معنى الدعوة ، ولم يسلكوا درب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.والله الموفق.
أهم المراجع