وحرية الرأي والتعبير، وخاصة في الكازيطات والجورنالات والورقات (أي في الصحف والمجلات) تنطوي على أهمية بالغة لجهة تثقيف الرأي العام وتوعيته وترشيده. فهي تعرض، أي الكازيطات وغيرها، عددًا من (المسائل العلمية الجديدة التحقيق) ، وتفتح أعين المواطنين على (تنبيهات مفيدة) و (نصائح نافعة) . والأهم من ذلك أن حرية الرأي الممارَسة في الصحف تنطوي على وظيفة أخرى وهي رفع الضيم والظلم عن أولئك الذين ليس لديهم وسيلة للتعبير عن معاناتهم غير المنابر الإعلامية، فـ (إذا كان الانسان مظلومًا من إنسانٍ ما) كتب مظلمته في هذه الورقات (الجرائد) فيطلع عليها الخاص والعام، وتصل إلى محل الحكم (أي أصحاب الشأن) ويُحكم فيها بحسب القوانين المقررة).
وتحدث الطهطاوي عن شكل آخر من أشكال الحرية، وهو حرية التملك، حيث أن ما يمتلكه شخص ما يجب أن يكون محرّمًا على شخص آخر، وأن يكون محميًّا من قبل السلطة. حتى أن السلطة نفسها ليس لها الحق في أن تتصرف بأملاك المواطنين إلا بناءً على (ضوابط قانونية) . إذ أن ثمة حالات بعينها يجوز أن تُقدِم السلطةُ فيها على مصادرة عقارٍ لمواطنٍ فيما إذا كانت مثل هذه المصادرة تنطوي على (نفعٍ عام) . ولكن مقابل ذلك على السلطة أن تدفع لصاحبه ثمنه كاملًا غير منقوص. يقول الطهطاوي: (للدولة دون غيرها أن تكرِه إنسانًا على شراء عقاره لسبب(عام النفع) بشرط أن تدفع ثمن المثل قبل الاستيلاء).
وينطوي كلام رفاعة هنا على أهمية بالغة إذ أنه قيل في وقتٍ كان الشرق العربي- الاسلامي يشهد نكسةً كبيرة على صعيد مصادرة ممتلكات البعض من قبل السلطة الحاكمة بدون وجه حق. وبغياب أي قانون يحمي ممتلكات الأفراد والجماعات كان الولاة العثمانيون يصادرون ممتلكات خصومهم السياسيين لأجل كسر شوكتهم. أما الأملاك التي كانت تصادَر بهدف النفع العام فلم تكن تُدفع أثمانها.
ويُطلق رفاعة على (حق التملك) مصطلح (الحرية السياسية) ، إذ أن السياسة، هنا، تعني الممارسة والسلوك والتصرف. فالحرية السياسية، على رأي الطهطاوي، هي (تأمين -حماية- الدولة لكل أحد من أهاليها على أملاكه الشرعية المرعية، وإجراء حريته الطبيعية بدون أن تتعدى عليه في شيء منها، فبهذا يُباح لكل فرد أن يتصرف(أي أن يسوس) فيما يملكه جميع التصرفات الشرعية، فكأن الحكومة بهذا قد ضمنت للانسان أن يسعد فيها ما دام مجتنبًا لاضرار إخوانه).
يتهيأ لنا مما تقدّم أن رفاعة رافع الطهطاوي كان أول مَن رفع لواء التحديث في الشرق العربي- الاسلامي عامة وفي مصر على وجه الخصوص. وقد كان التحديث على النمط الأوروبي هو شغله الشاغل منذ كتابه (تخليص الابريز) 1834م، وحتى (مناهج الألباب) 1870م. ولعل أهمية ما قاله وما كتبه أنه أتى في زمنٍ لم تكن مصر أو أي بلدٍ عربي آخر قد سمع حديثًا عن الحريات الديمقراطية والحقوق المدنية، انطلاقًا من المبادئ التي نصت عليها الدساتير الأوروبية، وبخاصة الدستور الفرنسي العام 1830م. وعلى أساسٍ من هذا فإننا نسمح لأنفسنا بأن نعتبر رفاعة الطهطاوي الأب الشرعي للفكر التحديثي في مصر سواء على الصعيد السياسي، أو الاجتماعي أم على الصعيد العلمي.