وأضرب مثال أبين به قولي: آيات الحجاب - وهي مما يكثر حولها دندنة القوم - أعني قول الله تعالى: (... وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ... الآية ) (الأحزاب: 53) وقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: 59 ) وقول الله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولى ...) (الأحزاب: 33 ) وقول الله تعالى: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ... الآية) (النور: 31 ) هذه الآيات لها سياق نزلت فيه وتفهم دلالتها من خلاله ... المنافقون على نواصي الطرقات وبالأزقة يتحرشون بالسافرات من النساء حين يخرجن ليلا لقضاء الحاجة ، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يطالب بضرب الستر بين الرجال والنساء كي لا يرى الرجال أبدانهن ــ وهن العفيفات الطاهرات أمهات المؤمنين ونساء الصحابة رضي الله عنهن أجمعين - ولا يرى النساء أشخاص الرجال - وهم صحابة النبي الكرام - ونزلت الآيات فشق النساء مروطهن وتخمرن بها ... وأصبحن كالغرابيب لا يُعرفن ولا يرى منهن شيء لا بوصف ولا بكشف ، ولا تطمع فيهن عين لزينة في الثياب أو زينة تسمع أو ترى من تحت الثياب وقد فارقن بهذا الثياب الكافرات ، فلم يكن الأمر اقتباس من عادات الجاهلية كما يدعي الجهلة من المثقفين اليوم ، ولا سرقة من ثقافة اليهود بل تشريع من رب العالمين للصادق الأمين وصحابته الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أقول من المعلوم أن التشريع في الإسلام ارتبط بالحركة ؛ وأن الوحي كان يتنزل بناء على الأحداث لتوجيهها أو لتصحيحها ، ولم ينزل القرآن مرة واحدة ، ولم يكن المراد من الوحي هو مجرد التلاوة والإقرار بما يحمله من أحكام دون الامتثال العملي ، فكيف - مع هذا كله - يؤخذ منطوق القرآن والسنة النبوية بمعزل عن ملابسات أسباب النزول ، وامتثال الصحابة للأمر والنهي