فهرس الكتاب

الصفحة 16062 من 27345

وهذا ابن الجوزي ينصحك كابن له ويعطيك لفتة من كبده فيقول: ( ما تقف همة إلا لخساستها ، وإلا فمتى علت الهمة فلا تقنع بالدون ؛ وقد عرف بالدليل أن الهمة مولود مع الآدمي ، وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات ، فإذا حثت سارت ، ومتى رأيت في نفسك عجزا فسل المنعم ، أو كسلًا فسل الموفق ، فلن تنال خيرًا إلا بطاعته ، فمن الذي أقبل عليه ولم ير كل مراد ؟ ومن الذي أعرض عنه فمضى بفائدة ؟ أو حظي بغرض من أغراضه ؟ )

أيها الحبيب: افهم مراد القوم ؛ فإنهم ناصحون لك ، ولا تسوف ، ولا تؤجل ، فالبدار البدار ، إنما هو بستانك في الجنة ـ بحول الله ـ فلا تكسل عن العناية به .

فكن صاحب همة عالية ، ونية صادقة ، فإن غفوت فلا تطيل الرقاد ، بل نم على أحسن النيات ..

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك فيما يرويه عن ربه: ( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ) البخاري عن ابن عباس .

وهو الذي قال عليه الصلاة والسلام: ( مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ ) مسلم .

وهو الذي قال عليه الصلاة والسلام في حق المتخلفين عن غزوة تبوك من الحريصين على الخروج معه: ( لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ فِيهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنَا وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ ) أبو داود ومسلم .

فلا أقل من نية طيبة ، تجوب بها أودية أفغانستان ، وجبال الشيشان ، أو هضاب بيت الأقصى المبارك .. إذ أنت في محرابك ، قد حبسك العذر .

لا تعجب أيها الحبيب فقد تسبق بهمتك قوم آخرين:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ،

قَالُوا: وَكَيْفَ ؟؟

قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا ، وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا . النسائي بسند جيد

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنّا لاحِقان بقيصرا

فقلت له لا تبكِ عينك إنما نحاول مُلكا أو نموت فنُعذرا

وقبل أن يسير من عندك القوم هذا وليد الأعظمي يقول في مجلسك خاتمًا زيارة القوم لك:

عاد الربيع جميلًا في مباهجه *** إن الربيع لمعنى من معانينا

فهل يعود ربيع الروح ثانية *** بالحق والعدل والإيمان مقرونا ؟

ما قيمة الحسن والأرواح ذابلة *** تستمريءُ الذل والإفساد والهونا

رانت عليها الخطايا فهي صائدة *** والقلب يصدأ إن لم تجله حينا .

وقبل أن أودعك .. أيها الحبيب .. أجد نفسي ملزما بحسن الختام معك .. وقبلا منك بذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كالروح والريحان ذكرك يعبق فتهلل الدنيا له وتصفق

وتسرها ذكرى ربيع محمد حيث الحياة جميلة تتألق

يهتز عند الفجر نفح عبيرها كالمسك في أرجائها يتفتق

وربى موشاة الأديم بسندس خضر تموج كأنها إستبرق

وجداول ماء العيون كمائها عذبا يفيق وسلسلا يترقرق

والأقحوان الطلق يبسم ثغره والياسمين منضد ومنسق

وعيون نرجسة له ترنوا كما يرنو المحبُ إلى الحبيب ويحدق

وتطير ما بين الزهور فراشة طورًا تغيب بها وطورا تُشرق

هذا ربيع محمد وبهاؤه كل القلوب لحسنه تتعشق

وتعيش بالذكرى تجدد عهدها بالحق والخير الذي يتدفق .

وهذا ما جاد به القلم ، والله الحافظ من الزلل ، وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت