الوجه الثالث: أن الكرامة غير مستحيلة عقلا، فالله سبحانه قادر على أن يحدث ما يشاء متى شاء، وعلى أن يضع القوانين الطبيعية وأن يخرقها إذا أراد، لا يمتنع عليه شيء ولا يعجزه شيء.
الوجه الرابع: أن ما ادعاه المعتزلة من خوف الاشتباه بين النبي والولي غير واقع أساسا، إذ لم يحدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن حصل إشكال من هذا القبيل رغم جريان الكرامات في عهده على يد أصحابه، وكذلك بعد موته، إذ لا تجري كرامة على يدي ولي فيدعي النبوة إلا ويقطع الناس بكذبه فتسقط ولايته ولا تثبت نبوته. ولا يحتاج الناس بعدها للتفريق بين الكرامة والمعجزة، إذ النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء وكل دعوى النبوة بعده فغي وضلال، فتحصّل من ذلك أن ما أورده المعتزلة لم يكن سوى تشغيب ليس إلا.
الوجه الخامس: أن تفريق الناس بين حال النبي وبين حال الولي لا يكون بفعل واحد أو قضية فريدة، فحال النبي يظهر في مجمل حياته كلها، وكذا حال الولي، فمن ادعى من الأولياء النبوة لم يكن ليجري الله على يديه من أدلة التأييد ما يلتبس به على الناس أمره، حتى يظنوه نبيا يوحى إليه، ولهذا يكثر في هذا الزمان عمل السحرة والمشعوذين، ولا يقول أحدٌ من الناس إنهم أولياء الله، فهم وإن كان يجري على أيديهم ما ظاهره أنه خارق للعادة، إلا أن مجمل أحوالهم يدل على كذبهم ودجلهم، واستعانتهم بالجن والشياطين في أعمالهم، ولذلك تجدهم من أبعد الناس عن هدي النبوة ونور الوحي، ولا تجد فيهم استقامة على الشرع أو حرصا على أركان الدين من صلاة وصيام وحج ونحو ذلك، فضلا عن إتيانهم المنكرات الظاهرة والمعاصي الجلية، فلا يلتبس على الناس حالهم بل يميزون بينهم وبين الولي، ويعلمون أن الولي مستقيم على شرع النبي، وأنه لولا استقامته ما حصّل منزلة الولاية، أو حصلت له الكرامة.
وبهذا يتبين صحة القول بثبوت كرامات الأولياء، ولكن ليحذر المسلم من أقوام جعلوا من باب الكرامة مدخلا للإضلال والإفساد، فادعوا زورا وبهتانا حصول الكرامات لهم، بل جعلوها ديدنهم، فمشائخهم هم أكثر الناس كرامات، ويد القدرة مطلقة عندهم، فلا يحتاجون أمرا إلا وجرت على أيديهم في شأنه كرامه، فإذا أرادوا الصلاة كانت صلاتهم في الحرم، وإن أرادوا الحج انتقلوا عبر آفاق السماء في زمن لم تظهر فيه الطائرات، بل جعلوا من الكرامات مدخلا للسلوكيات المشينة والأعمال التي يستحى من ذكرها.
والكرامة إنما تحصل للأولياء لا على سبيل المفاخرة وإنما لقضاء حاجة دينية كتثبيت على طاعةٍ، أو لحاجة دنيوية كإنارة طريق الصحابيين اللذين خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، أما التوسع في اختلاق الكرامات فلم يكن سوى من بدع المبتدعة وكذبهم.