قد تختلف برامج الإصلاح بل تتناقض، وتتضارب، لكنها كلها تدور حول الرغبة في الإصلاح سواء كان أولئك جادون فعلًا في رغبتهم أو ليسوا جادين، والذي يرفع الشاب في هذه المرحلة إلى الانتماء لتلك الأحزاب والتنظيمات هو شعوره بالعواطف الاجتماعية والإنسانية، ونحن وقد حمانا الله وكنا في مأمن تلك التوجهات والأحزاب والتنظيمات؛ فصرنا نعيش مجتمعًا خاصًا له طبيعته الخاصة وله تفكيره الخاص ونسأل الله عز وجل أن يجنبننا ما يعانيه من حولنا من تفرق وتشرذم، إلا أن حديثنا هنا عن طبيعة طالب الجامعة وأنه يحمل مثل هذه العواطف للإصلاح والتغيير، وليس هذا دعوة للانخراط في مثل هذه الأفكار والتوجهات.
إذا فطالب الجامعة في هذه المرحلة تغيرًا نفسيًّا؛ فقد تجاوز التمركز حول ذاته وبرز له خط الغيرية فصار يفكر في الغير، ويحمل العواطف الاجتماعية والإنسانية .
ثالثًا: التغير العقلي والنمو العقلي؛ فهو يعيش مرحلة خصبة من تفكيره العقلي، وهذه أخصب مراحل العمر، ولهذا ترى الطالب في هذه المرحلة يتعامل مع تخصصات جديدة وعلوم جديدة فيستطيع أن يجتازها، دع عنك من قد يفشل في اجتياز تخصص ما أو قد يجد فيه صعوبة، وقد تكون هذه الصعوبة غير عائدة بالضرورة إلى قدراته العقلية، قد تكون عائدة إلى توافقه مع هذا التخصص أو ميوله أو اقتناعه به، أو إلى أسباب نفسية وخارجية، وقد تعود أيضًا إلى أسباب ترجع إلى قدراته العقلية.
لكن حينما تنظر هذه النظرة الشمولية فإنك ترى أن الأسباب العائدة إلى قدراته العقلية قد لا تحمل بالضرورة المسؤولية الكاملة حول فشل الطالب في هذا التخصص أو غيره.
إذا فالشاب في هذه المرحلة يشهد مرحلة متميزة، مرحلة تمتاز بالعمق والقدرة على الاستيعاب أكثر من غيرها، ومن ثم فهذه المرحلة هي التي يقرأ فيها الطالب كثيرًا، وهي التي يستوعب فيها الطالب أكثر.
رابعًا: هذه المرحلة مرحلة التفكير في المستقبل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وتتحكم رؤية الشاب للمستقبل في تحديد مدى هذا التفكير ومساره، ثم ما يترتب على هذه التفكير فيما بعد من رؤية للإعداد للمستقبل وصياغته.
لقد كان الشاب في المرحلة الثانوية -وكان يعيش مرحلة المراهقة - همه الفريق الرياضي وانتصاره، وهمه ظروف معينة يعيشها داخل أسرته، وحتى الشاب المستقيم الخير فإن همه أيضًا يقف دون خطوط معينة لا يتجاوزها، حتى مستقبله لا يفكر فيه إلا تفكيرًا عاجلًا، لكن حين صار إلى السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية وبالتحديد الفصل الدراسي الثاني بدأ يفكر تفكيرًا جادًّا في المستقبل فصار على بوابة مرحلة جديدة، إن خريج المرحلة المتوسطة يلتحق بالمرحلة الثانوية، فهو أمام خيار واحد محدد سلفًا، أما خريج المرحلة الثانوية فهو أمام خيارات عدة.
كما بدأ يفكر تفكيرًا آخر: في الزواج، في الوظيفة، في سائر مايتعلق بالمستقبل، بدأ يفكر في ذلك كله تفكيرًا جادًّا.
تفكير الشاب وثقافته قد تشكل رؤيته للمستقبل، فهناك من تنحصر رؤيته للمستقبل في الزواج والحصول على الوظيفة المناسبة، وقد تكون الوظيفة المناسبة وظيفة قريبة من موقع أهله وسكنه، أو وظيفة تعطيه مكانة اجتماعية مرموقة، أو وظيفة تتفق مع ميوله؛ فتنحصر دائرة المستقبل أمام هذا الشاب داخل هذا الإطار، وهناك من يتجاوز هذا الإطار فيرى أن مستقبله الحقيقي يتمثل في أن يسهم في صياغة مستقبل مجتمعه وأمته، وأن يفكر في أن يكون له دور فعال في صياغة الأحداث، وفي التغيير في المجتمع، فهو الآن طالب، لكنه بعد سنوات محدودة سيقف أستاذًا يتحدث أمام جمع من الطلاب، أو سيقف خطيبًا أو يقف خبيرًا في دائرة، أو موظفًا يسهم في اتخاذ قرار يؤثر بصورة أو بأخرى في مجتمعه.
إن هذا يفكر في المستقبل، والشخص الآخر الذي يفكر في الزواج والوظيفة ولا يتجاوز تفكيره هذه الدائرة هو الآخر يفكر في المستقبل، إذا فنحن في المرحلة الجامعية مع طالب يفكر في المستقبل أيًّا كان إطار تفكيره وتوجهه، ويشكل المستقبل حيزًا واسعًا من نطاق تفكيره.
لذا فأدعوكم إلى مراجعة التفكير، ما رؤيتك للمستقبل؟ هل هذه الرؤية تليق بموقعك أم هي رؤية عاجلة لا تتجاوز حدود الحصول على وظيفة مناسبة أو على شريكه الحياة وبناء مسكن يقيك من الشمس والهواء والأمطار؟ إنها الأفكار التي كانت تسود لدى رجل الصحراء والبادية، وأحسب أن ثقافة طالب الجامعة وتفكيره تدفعه إلى تفكير أبعد ورؤية أسمى من هذه الرؤية العجلى القاصرة.