فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور صحبته من سرورها بما يسوؤه. و كلما ظفر منها بما يحب انقلبت عليه بما يكره . فالسار منها لأهلها غار . و النافع منها غدا ضار . و قد وصل الرخاء منها بالبلاء . و جعل البقاء فيها إلى الفناء . فسرورُها بالحزن مشوب . والناعم فيها مسلوب. وانظر يا أمير المومنين إليها نظر الزاهد المفارق . و لا تنظر نظر المبتلى العاشق الوامق . و اعلم أنها تُزيل الثاوي بالساكن . و تفجع المترف فيها بالآمن . ولا ترجع فيها ما تولى منها و أدبر . و لا بد مما هو آت منها ينتظر . و لا يتبع ما صفا منها إلا كدر . فاحذرها فإن أمانيها كاذبة . و آمالها باطلة . و عيشها نكد . و صفوها كدر . و أنت منها على خطر . إما نعمة زائلة . و إما بلية نازلة . و إما مصيبة فادحة . و إما منية قاضية . فلقد كدرت المعيشة لمن عقل . فهو من نعيمها على خطر . و من بليتها على حذر . و من المنية على يقين . فلو كان الخالق تبارك و تعالى اسمه لم يخبر عنها بخبر . و لم يضرب لها مثلا . و لم يأمر فيها بزهد . لكانت الدنيا قد أيقظت النائم . و نبهت الغافل . فكيف وقد جاء عن الله عز و جل منها زاجر و فيها واعظ . فما لها عنده قدر . و لا لها عنده وزن من الصغر . فلهي عنده أصغر من حصاة في الحصى . و من مقدار نواة في النوى . ما خلق الله عز وجل خلقا فيما بلغنا أبغض إلى الله تبارك و تعالى منها . ما نظر إليها منذ خلقها . و لقد عرضت على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم بمفاتيحها و خزائنها لا ينقصه ذلك عند الله عز و جل جناح بعوضة فأبى أن يتقبلها . و ما منعه من القبول لها - مع ما لا ينقصه الله عز و جل شيئا مما عنده كما وعده - إلا أنه علم أن الله عز و جل أبغض شيئا فأبغضه . و صغر شيئا فصغره . و لو قبلها كان الدليل على محبته قبوله إياها . و لكنه كره أن يخالف أمره . أو يحب ما أبغض خالقه . أو يرفع مما وضع مليكه . ولا تأمن من أن يكون هذا الكلام عليك حجة، نفعنا الله و إياك بالموعظة و السلام عليك و رحمة الله .
إبلاغ الواعي لحديث التداعي
الأستاذ الدكتور.مرهف سقا
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فهذا شرح حديث ثوبان رضي الله عنه في تداعي الأمم على خير الأمم أسأل الله تعالى أن أكون موفقًا فيه فهو حسبي ونعم الوكيل أبدؤه بسرد ألفاظ الحديث مخرجة ثم شرح ألفاظها ثم شرح الحديث واستنباط ما يرشد إليه.
روايات الحديث:
1 ـ عن ثوبان قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت ( 1 ) .
قال المنذري: أبو عبد السلام [ الراوي عن ثوبان ] هذا هو صالح بن رستم الهاشمي الدمشقي سئل عنه أبو حاتم فقال مجهول لا نعرفه .
2 ـ عن ثوبان: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: توشك الأمم أن تداعى عليكم كما يتداعى القوم على قصعتهم ينزع الوهن من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم وتحبب إليكم الدنيا قالوا من قلة قال أكثركم غثاء كغثاء السيل (2) .
3 ـ عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الآكلة على قصعتها قال قلنا يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ قال أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن قال قلنا وما الوهن قال حب الحياة وكراهية الموت (3) .
4 ـ ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رسول الله قال توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الآكل إلى قصعتكم قالوا من قله نحن يومئذ قال بل انتم يومئذ كثير عددكم وليقذفن الوهن في قلوبكم قالوا وما الوهن قال حب الحياة وكراهية الموت (4)
5 ـ عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى على القوم إلى قصعتهم قال قيل من قلة قال لا ولكنه غثاء كغثاء السيل يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب في قلوب عدوكم بحبكم الدنيا وكراهتكم الموت (5)
6 ـ عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها قالوا من قلة بنا يومئذ قال أنتم ذلك اليوم كثير ولكن غثاء كغثاء السيل تنتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن قالوا وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت (6 ) .