فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
يقول توماس فريدمان مقررًا أن العولمة الحالية نوع من الهيمنة الأمريكية:"خلال التسعينات، أصبحت أميركا وبشكل جلي الأكثر قوة -اقتصاديا وعسكريا وتقنيا- من أية دولة أخرى في العالم، إذا لم يكن في تاريخ البشرية. وقد حدث ذلك، إلى حد كبير، بسبب انهيار الإمبراطورية السوفيتية، وتحول العالم إلى البديل الرأسمالي المتمثل في اقتصاد السوق الحر، وما صاحب ذلك من ثورة تقنية الإنترنت في أميركا. كل ذلك أدى إلى هيمنة شديدة لقوة الولايات المتحدة وأفكارها الثقافية والاقتصادية المتعلقة بكيفية تنظيم أمور المجتمع، هيمنة ظهرت بجلاء من خلال العولمة، إلى درجة أن أميركا بدأت بالتأثير على حياة البشر في أنحاء المعمورة، بطريقة فاقت حتى تأثير الحكومات على شعوبها، كما قال لي دبلوماسي باكستاني ذات يوم."
أجل، لقد بدأنا بالتأثير على حياة الشعوب -بشكل مباشر أو غير مباشر- وبدرجة تفوق تأثير حكومات تلك الشعوب" (1) ."
ثانيًا: العولمة والسنن
كان الناس في عصرهم الأول نموذجًا مثاليًا لعولمة حضارية، وحدة على مستوى البشرية جمعاء؛ فكرية ثقافية، سياسية، اقتصادية، وكان ذلك وفقًا لمنهج الله الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، ثم جاءت الأذواق والأهواء بعجرها وبجرها، فحاولت جبابرة القرون -جيلًا بعد جيل- رفض الكتاب الذي أنزل ليقوم الناس بالقسط، موظفةً الحديد والنار في محاولات شتى لفرض أضرب من"العولمة"بل لفرض نفوسهم ونفوذهم على العالمين، (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلاّ الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم) (2) ، (وما كان الناس إلاّ أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون) (3) .
إن إرادة الله الكونية اقتضت وجود الخلق، ومشيئته الشرعية اقتضت توحدهم على منهج الحق كما قال سبحانه: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا إني بما تعملون عليم - وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) (4) ولكن خالفت الإرادة الكونية المشيئة الشرعية (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا كل حزب بما لديهم فرحون) (5) ،"أي يفرحون بما هم فيه من الضلال لأنهم يحسبون أنهم مهتدون" (6) .
فاقتضت حكمته -سبحانه وتعالى- وجود الخير والشر في هذا الكون (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (7) ، (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين - إلاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) (8) ، (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير) (9) ، (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ - وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن ُيدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (10) .
وكما اقتضت حكمته وجود الخير والشر، جرت سنته بدوام التدافع بينهما، فقد جعل الله الأيام دولًا، (ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) (11) ، (.. ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) (12) ، (وتلك الأيام نداولها بين الناس) (13) .
غير أن العاقبة للتقوى، فصاحب الحق يجب عليه أن يستعين بالله ويصبر، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون - إن في هذا لبلاغًا لقوم عابدين - وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين) (14) .
فالناس من حيث المآل فريقان، فريق في الجنة وفريق في السعير، وعلى الأعراف فريق ثالث مآله إما إلى جنة أو إلى نار، فالمحصلة فريقان.
أما في الدنيا فصراع أهل الحق مع أهل الباطل مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى أن يرسل الله ريحًا تقبض أرواح المؤمنين فلا يبقى في أرض الله من يقول الله الله، وعندها تقوم الساعة على شرار خلق الله.
(1) عن مقال لتوماس فريدمان بعنوان:"نظرية حول كل شيء".
(2) سورة البقرة: 213.
(3) سورة يونس: 19.
(4) سورة المؤمنون: 51.
(5) سورة المؤمنون: 53.
(6) تفسير ابن كثير 3/248.
(7) سورة يونس: 99.
(8) سورة هود: 119.
(9) سورة التغابن: 2.
(10) سورة الشورى: 7-8.
(11) سورة البقرة: 251.
(12) سورة الحج: 40.
(13) سورة آل عمران: 140.
(14) سورة الأنبياء: 105-107.