وقد جاء في مسند الإمام أحمد (9 ) من طريق ابن هبيرة عن أبي تميم الجيشاني رضي الله عنه أن عمرو بن العاص خطب الناس يوم جمعة فقال: إن أبا بصرة حدثني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله زادكم صلاة ، وهي الوتر ، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر ....) إسناده صحيح . وقال عنه ابن رجب في فتح الباري (9/ 146 ) إسناده جيد .
ومن نام عن وتره أو نسيه ، فله صلاته بعد طلوع الفجر ، قبل صلاة الصبح . فقد روى أبو داود بسند قوي والحاكم [ 1 / 302 ] وقال صحيح على شرط الشيخين من طريق محمد بن مطرف المدني عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره ) .
وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين ، وهو قول الإمام مالك ، وقول للشافعي وأحمد ( 10) رحمهم الله تعالى.
وأما إذا فاته الوتر حتى طلعت عليه الشمس فقد قال بعض أهل العلم: يقضيه شفعًا . واستدلوا بما رواه مسلم في صحيحه ( 746 ) من طريق قتادة عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله إذا غلبه النوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ) .
والقول الثاني في المسألة: أنه يقضيه وترًا قاله طاووس ومجاهد والشعبي وغيرهم ، وحجتهم في ذلك حديث أبي سعيد ، وقد سبق ذكره ، ولفظه ( من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره ) فهذا الخبر يدل على مشروعية قضاء الوتر بعد طلوع الشمس لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا ذكره ) وقد قال الأوزاعي: ( يقضيه نهارًا وبالليل ما لم يدخل وقت الوتر بصلاة العشاء الآخرة ، ولا يقضيه بعد ذلك لئلا يجتمع وتران في ليلة(11 ) . وأما خبر عائشة السابق فقد قيل ليس فيه نفي الوتر ، فلعله أوتر أول الليل مقتصرًا على أقل العدد لغلبة النوم أو الوجع ، فلما أصبح صلى قيام الليل . وفي هذا التوجيه نظر . ويبعد حمل حديث عائشة على أنه أوتر أول الليل فإن هذا الأمر لو حدث لبينت ذلك عائشة فإن هذا الحكم من الأهمية بمكان .
والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يوتر .. وقول عائشة رضي الله عنها (( صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ) )يدل على ذلك فإنه لو أوتر أول الليل لصلى من النهار عشر ركعات فقد قالت عائشة رضي الله عنها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة )) متفق عليه .
ويجاب عن حديث أبي سعيد بأنه لم يقل بعمومه أحد من الصحابة والمنقول عن بعضهم الوتر بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح فيحمل الحديث على قضاء الوتر في هذا الوقت فإنه لا تعارض بين قوله صلى الله عليه وسلم وفعله والله أعلم .
وأما من ترك الوتر متعمدًا حتى طلع الفجر ، فالحق أنه قد فاته ، وليس له حق القضاء . ففي حديث أبي سعيد وقد تقدم تقييدُ الأمر بالقضاء فيمن نام عن وتره أو نسيه ، فدل مفهوم الخبر أن العامد بخلاف ذلك . وقد روى ابن خزيمة في صحيحه ( 1092 ) من طريق أبي داود الطيالسي عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له ) )وأصل الحديث في صحيح مسلم ( 754 ) بدون هذا اللفظ وهو محمول على التعمد دون النوم والنسيان في أصح أقاويل أهل العلم والله أعلم .
المسألة الثانية: ( في عدد ركعات قيام الليل ) .
ثبتت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه لا يزيد في قيام الليل لا في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة .
فقد جاء في الصحيحين وغيرهما من طريق مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: ( ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ، يصلى أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلى ثلاثًا ) ( 12)
قال ابن عبد البر رحمه الله: ( وأكثر الآثار على أن صلاته كانت إحدى عشرة ركعة ) ( 13)
وروى مالك في الموطأ بسند صحيح عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة....) ( 14)
وما جاء أن الناس كانوا يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. فلا يصح . رواه مالك ( 15) وغيره بسند منقطع .
وجاء عند عبد الرزاق ( 16) عن داود بن قيس وغيره عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أن عمر جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة ) .