إخوتاه .. نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يُطعمنا الموت حتى ننعم بالنظر في وجوه إجوننا الذين يقبعون في السجون ، ويمتعنا بمجالستهم ومسامرتهم في الدنيا قبل الآخرة إنه جواد كريم ، لما حضرت جابر بن زيد الوفاة ، قيل: ما تشتهي ؟ قال: نظرة في وجه الحسن فبلغ ذلك الحسن ، فجاءه ودخل عليه ، وقال له: يا جابر ، كيف تجدك ؟ قال: أجد أمر الله غير مردود ، يا أبا سعيد ،حدثني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الحسن: يا جابر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( المؤمن من الله على سبيل خير ، إن تاب قبله ، ولان استقال أقاله ، ولإن اعتذر إليه قبل اعتذاره ، وعلامة ذلك قبل خروج روحه يجد بردا على قلبه ) فقال جابر: الله أكبر ! إني لأجد بردا على قلبي ثُم قال: اللهم إن نفسي تطمع في ثوابك ، فحقق ظني ، وآمن خوفي وجزعي ، ثم تشهد ومات رضي الله عنه .
لي عندك بيعه
ولكن أردتك أن تعلم ... بأن السفر طويل .. ويحتاج إلى زاد المهاجر .. وعدة الصابر..ومقاومة مصائد الشيطان .. والنزول عند منازل الرحمن .. والاستماع لقول الحبيب المصطفى العدنان عليه أفضل صلاة وأزكى سلام ، قال ابن المبارك عليه رحمة الله قدمت مكة ، فإذا الناس قد قحطوا من المطر ، وهم يستسقون في المسجد الحرام ، وكنت في الناس من جهة باب بني شيبة ، إذ أقبل غلام أسود ، عليه قطعتا خيش ، قد ائتزر بإحداها ، وألقى الأخرى على عاتقيه ، فصار في موضع خفي إلى جانبي ، فسمعته يقول: إلهي ، أخلقت الوجوه كثره الذنوب ومساوئ العيوب ، وقد منعتنا غيث السماوات لتؤدب الخليقة بذلك ، فأسألك يا حليم ، يا من لا يعرف عبادة منه إلا الجميل ، اسقهم الساعة الساعة .
قال ابن المبارك رحمه الله: فلم يزل يقول: أسقهم الساعة الساعة ، حتى انسد الجو بالغمام ، وأقبلت السحاب تهطل كأفواه القرب ، وجلس مكانه يسبح الله تعالى ، فأخذت في البكاء حتى قام ، فاتبعته حتى عرفت موضعه .
فجئت إلى الفضيل بن عياض ، فقال لي: ما لي أراك كئيبا ؟ فقلت له: سبقنا إليه غيرنا ، فولاه دوننا ، قال: وما ذلك ؟ فقصصت عليه القصة ، فصاح وسقط في الأرض ، وقال ويحك يا ابن المبارك ، خذني إليه ، فقلت: قد ضاق الوقت ، وسأبحث عن شأنه . فلما كان من الغد ، صليت الغداة ، وخرجت أريد الموضع ، فإذا بشيخ على باب ، وقد بسط له وهو جالس ، فلما رآني عرفني ، وقال: مرحبا بك يا أبا عبد الرحمن ، ما حاجتك ؟ فقلت: احتجت إلى غلام ، فقال: نعم ، عندي عدة ، اختار أيهم شئت ، فصاح يا غلام ، فخرج غلام جلد فقال هذا محمود العاقبة ن أرضاه لك ، فقلت: ليس هذا حاجتي فما زال يخرج واحدا بعد الآخر حتى أخرج لي الغلام ، فلما أبصرته بدرت عيناي بالدموع ، فقال: هذا ؟ فقلت نعم ، فقال: ليس لي إلى بيعه سبيل ، قلت: و لم ؟ قال: قد تبركت بموضعه في هذه الدار ، وذلك أنه لم تصبني مصيبة ولا رزية منذ دخل عندي .. وأخبرني الغلمان عنه أنه لا ينام في الليل الطويل ولا يختلط بأحد منهم ، مهتم بنفسه ، وقد أحبه قلبي ، فقلت له: أنصرف إلى الفضيل وسفيان بغير قضاء حاجة ثم رجعت إليه وسألت فيه بإلحاح ، فقال: إن ممشاك عندي كبير خذه بما شئت ، قال: فاشتريته ، وسرت معه نحو دار الفضيل ، فمشيت ساعة ، فقال لي: يا مولاي فقلت له: لبيك ، فقال: لا تقل لبيك ، فإن العبد أولى بأن يلبي من المولى ، قلت ما حاجتك يا حبيبي ، قال: أنا ضعيف البدن لا أطيق الخدمة ، وقد كان لك في غيري سعة ، وقد أخرج لك من هو أجلد مني ، فأنت لم تفعل هذا ، غلا وقد رأيت بعض متصلاتي بالله تعالى و إلا فلم أخذتني من أولئك الغلمان ؟ فقلت له: ليس بك حاجة إلا هذا ، فقال لي: سألتك بالله إلا أخبرتني ، فقلت له: بإجابة دعوتك ، فقال لي أحسبك إن شاء الله رجلا صالحا ، عن لله عز وجل خيرة من خلقه ، لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب من عباده ، ثم قال أترى أن تقف على قليلا ، فإنه قد بقي على ركعات من البارحة ، قلت هذا منزل الفضيل ، قال: لا ، هاهنا أحب إلى ، إن أمر الله تعالى لا يؤخر ، فدخل المسجد ، فما زال يصلي حتى أتى على ما أراد ، فالتفت إلى , وقال: يا أبا عبد الرحمن ، هل لك من حاجة ؟ قلت: ولم قال: لأني أريد الانصراف ، قلت إلى أين ؟ قال إلى الآخرة ، قلت: لا تفعل ، دعني أنتفع بك ، فقال لي: إنما كانت تطيب الحياة حيث كانت المعاملة بيني وبينه تعالى ، فأما إذا اطلعت عليها أنت ، سيطلع عليها غيرك ، فلا حاجة لي في ذلك ، ثم خر على وجهه ، وجعل يقول: إلهي اقبضني الساعة ، فدنوت منه ، فإذا هو قد مات ، فوالله ما ذكرته قط إلا طال حزني ، وصغرت الدنيا في عيني ، وحقرت عملي رحمه الله .
أخي وحبيبي عندي عندك عهد أذكرك وأذكر نفسي به وهو قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } آل عمران.