وتبدَّتْ أكثر الهجمات ضراوة على التلمود إبان العصور الوسطى"باعتباره أهم مصدر للتعاليم اليهودية التي أدَّتْ إلى مقاومة اليهود للسلطة والدين المسيحي سرًا وعلانية"، وقامت محاكم التفتيش في إسبانيا بحملة إبادة واسعة لليهود وإتلافٍ لنسخ التلمود سنة 1492م في عهد الملك ( فرديناند ) وزوجته الملكة ( إيزابيلا ) ، وعمَّت في أوروبا نكباتُ اليهود وما أُطلق عليه بحملات تطهير التلمود ، حيث"فُرِضتِ الرقابة على طبع التلمود وكتب عبرية أخرى لليهود سنة 1554م ، وبعد خمسة أعوام صدر قرار بابوي بوضع التلمود في القائمة الأولى للكتب التي يجب تطهيرها ، وفي سنة 1565م أصدر البابا ( بيوس الرابع ) أمرًا بأنه يجب حرمان التلمود حتى مِن مجرد اسمه ."
وظهرتْ أولُ طبعة مطهرة للتلمود في مدينة ( بازل ) في سني 1578 - 1581م ، بعد حذف رسالة ( عبوده زاره ) كاملة وفقرات أخرى - من التلمود - اعتُبِرتْ عدائيةً للمسيحية" ."
ولم تقتصر هذه الهجمات على التلمود مِن غير اليهود فقط ، بل - كما يقول الحبر وايز -:"جَحَدَ به عددٌ كبير من اليهود أنفسهم ، منكرين أنهم يهود تلموديون أو أنهم يشعرون بأي حماس نحوه ، ولكن لا يوجد إلا القلة ( القرائين ) في روسيا والنمسا ، والأقل منهم من السامريين في فلسطين ، ممن ليسوا يهودًا تلموديين في حقيقة الأمر، هذا بينما المتطرف والمصلح والمحافظ والمتعصب يتبع في كثير من خصوصياته الممارسات المنصوص عليها في التلمود ... إن اليهوديَّ الحديث هو نتاج التلمود".
ولكنه وبرغم كل هذه الجهات والجهود التي تُبذل لطمسه يبقى صامدًا عصيًا ، وذلك بفضل أساليب الحاخامات في إيجازِهِ العقبات التي تواجهه ، فحين ثارت مضايقاتُ وَشَكاوِ مَن أُتيحَ لهم أن يطَّلِعوا على تعاليمه إثر ظهور طبعتي ( إمستردام ) 1600م ، و ( كراكوفيا ) 1605م ، اجتمع أحبارُ اليهود في صورة مجمع مقدس وقرروا حذف الفقرات المريبة في كل طبعة تطبع في المستقبل ، وقالوا في مقدمة قرارهم ما نصه:"... ولذلك تقرر إصدارُ الحرمان ضد كل شخص يجرؤ على أن يُثبِتَ في الطبعات المستقبلة - للمشنا والجمارا - كلَّ ما يُعتبرُ طعنًا مباشرًا في عيسى أو في الأديان الأخرى ، وتقرر أن يُتركَ مكانُ هذه الفقراتِ خاليًا ، حتى يستطيع اليهودُ بعد ذلك أن يُثبِتُوها فيه بخط يدهم ، أو أن يُوضع في مكان كل منها دائرة هكذا ( ... ) تُشير إلى الحذف ، مع التنبيه على الأحبار ومعلمي المدارس أن يَكتفُوا بتلقينها للشباب والتلاميذ شفهيًا ، وبهذه الوسيلة نستطيعُ أن نَصِلَ إلى أهدافنا دُونَ إثارةِ الأعداء حوالينا".
وبهذه السُّبل الالتوائية يَظَلُّ التلمودُ فعلًا قائمًا بين اليهود مِن حولنا ، ويَبقَى تَرَبُّصُهم بنا خَفِيًّا إلى حِين حُلولِ الساعة التي ينتظِرون .
الهوامش
وهو يعني بالعبرية: التعليم . ويُطلق عليه أيضًا: التلموذ ، اشتقاقًا من التلمَذة .
في مسألة تدوين التعاليم الشفهية والتي تكوِّن التلمود عند اليهود نظر ، فكما حافظ موسى عليها شفاهية فيلزم حفظها كذلك ، وكذلك لئلا تقع في يد أممي حفاظًا على قدسيتها - فهي عندهم أقدس من التوراة - وحفاظًا على سلامتهم لما يطفح به التلمود من التعاليم العدائية الوحشية ضد الأمم الأخرى ، ولذلك يقول الحاخام ( يوشو ابن ليفي ) عن التلمود: الذي سينسخه كِتابةً لن يكون له نصيب في العالم القادم - الجنة - ، والذي يشرحه سوف يُحرَق .
التلمود تاريخه وتعاليمه . ظفر الإسلام خان . ص 11 - 12 .
الأسفار المقدسة فبل الإسلام . صابر طعيمة . ص 41 .
الأخوة الزائفة . جاك تني . ص 27 .
النص من النصوص التلمودية نقلًا عن كتاب: اليهودية . أحمد شلبي . ص 228 . وجدير بالذكر أن التلمود يُعدُّ مدرسة تأهيل الحاخامات .
التلمود تاريخه وتعاليمه . ظفر الإسلام خان . ص 40 .
المرجع السابق . ص 46 - 47 .
الأخوة الزائفة . جاك تني . ص 29 .
الماسونية والصهيونية والشيوعية غاية وهدفًا . صابر طعيمة . ص 168 .