فهرس الكتاب

الصفحة 16396 من 27345

هذا الجشع والاستغلال البشع والخداع المتكرر في حياة يعقوب يعلق J.W.D.Smith عليه بقوله:"ولا نجد بحال من الأحوال وسيلةً لقبول تصرفات يعقوب ، فقد كان واضحًا أنها غيرُ عادلة ، وكان يسلك مختلف السبل وينتهز كل الفرص لينال حقوقَ أخيه ، كان مستعدًا أن يستعمل أساليب المكر والختل والحيل ليحقق أهدافه ، فيعقوب بهذا يُعتبر نموذجًا حقيقيًا لأخلاق اليهود ، وعلى هذا تُعتبر تسميتهم باسمه ميراثًا دقيقًا ، فقد ورثوا عنه أكثرَ مما ورثوا عن إبراهيم الذي كان رجلَ عقيدة وإيمان أكثرَ منه رجل ختل ودنيا".

ونال الأسباطُ حظهم من الإساءة والإهانة من لسان أبيهم - بزعم سفر التكوين أيضًا - ، إذ دعا يعقوبُ بنيه قبل موته وقال لهم: ( اجتمعوا لأنبئكم بما يصيبكم في آخر الأيام ، اجتمعوا واصغوا إلى إسرائيل أبيكم ، رأوبين أنت بكري قوتي وأول قدرتي فضل الرفعة فضل العز فائرًا كالماء لا تتفضَّل لأنك صعدت على مضجع أبيك ، حينئذ دنسته على فراشي صعد ، شمعون ولاوي أخوان آلات الظلم سيوفهما ، في مجلسهما لا تدخل نفسي ، بمجمعهما لا تتحد كرامتي ؛ لأنهما في غضبهما قتلا إنسانًا وفي رضاهما عرقبا ثورًا ، ملعون غضبهما فإنه شديد وسخطهما فإنه قاس أقسمهما في يعقوب وأفرقهما في إسرائيل ، يهوذا إياك يحمد إخوتك ، يدك على قنا أعدائك ، يسجد لك بنو أبيك ، يهوذا جرو أسد من فريسة صعدت يا بني ، جثا وربض كأسد وكلبوة من ينهضه ؟ ... زبولون عند ساحل البحر يسكن وهو عند ساحل السفن وجانبه عند صيدون ، يساكر حمار جسيم رابض بين الحظائر ... دان يدين شعبه كأحد أسباط بني إسرائيل ، يكون دان حية على الطريق ، أفعوانًا على السبيل يلسع عقبا فرس فيسقط راكبه إلى الوراء ... جاد يزحمه جيش ولكنه يزحم مؤخرته ، أشير خبزه سمين وهو يعطى لذات الملوك ، نفتالي أيّلة مسيّبة يعطي أقوالًا حسنة ، يوسف غصن شجرة مثمرة على عين ... بنيامين ذئب يفترس في الصباح يأكل غنيمة وعند المساء يقسّم نهبًا ) . ونعم الأخلاق التي غذاها يعقوب في بنيه ، ورعاها في رعيته ! .

فأما يهوذا الذي شبهه يعقوب بنفسه فتزعم التوراة أنه زنى بكنته - زوجة بكره عير - دون أن يعرفها وحصلت منه على خاتمه وعصابته وعصاه كرهن حتى يرسل أجرها ، واكتشف القوم حبلها - إذ كان زوجها ميتًا - وأخبروا يهوذا بزناها ، فقال: أخرجوها فتحرق !! أما هي فلما أخرجت أرسلت إلى حميها وقالت: مِنَ الرجل الذي هذه له أنا حبلى ! .

وحتى يوسف الذي وصفه أبوه بأنه: ( غصن شجرة مثمرة على عين ) لم يتأخروا في إلصاق شيء من أخلاقهم به ، فيزعمون أنه عندما بدأ موسم الجوع إبان فترة وزارته و"خَوَتْ أرضُ مصر وأرض كنعان من أجل الجوع فجمع يوسف كل الفضة الموجودة في أرض مصر وفي أرض كنعان بالقمح الذي اشترَوا"، وكانت هذه مقايضة السنة الأولى ، أعقبتها مقايضة الخبز بالمواشي في السنة الثانية بعدما خوت جيوبهم من الفضة ، و"لما تمت السنة الثانية جاؤوا ليوسف ليأخذوا منه قمحًا فرفض أن يعطيهم قمحًا حتى باعوا أراضيهم وأنفسَهم ، قالوا له: اشترِنا وأرضَنا بالخبز ، فنصير نحن وأرضنا عبيدًا لفرعون ... فاشترى يوسفُ كل أرض مصر لفرعون ، فصارت الأرض لفرعون ، وأما الشعب فنقلهم إلى المدن وجعلهم عبيدًا لفرعون"، وهكذا نجحت خطةُ يوسف قبل حلول السنة السابعة ، الخطةُ الخبيثة التي نسبوها إلى يوسف الصديق عليه السلام تُبرِزُ ( أمانتَه ) وحِرصَه على مصلحة ( الرعية ) وحُسنَ استغلالِه مَنصبَه في ذلك !! .

وأين هذه الصورة التوراتية المُؤذية من الصورة الإسلامية ليوسف في هذه القضية ، الصورة التي تليق بمكانة النبوة وعظيم سَمتِها ، فهو لما وَلِيَ الوزارة والسنونُ السبعُ الرخيةُ تَمُرُّ كان"نِعمَ الحاكم اليَقِظ والمولى الفطن الأريب ، فبنى الأهراء وأعدَّ المخازن وملأها بالغلاَّتِ الوافرة والخيرات الكثيرة - لا لشراء الشعب - ، حتى إذا ما أقبلت السَّبعُ الشِّدادُ استقبلها القومُ آمنين ، فلم تغيِّرْ لهم حالًا ، ولم تنلْ منهم شيئًا ، ولم تدقَّ لهم عظمًا ، ولم تأكلْ منهم لحمًا".

وطوَى الزمنُ أجيالًا تعاقبتْ حتى بَرزَ إلى واقع بني إسرائيل مُخلِّصُهم وصاحبُ شريعتِهم وصاحبُ الحظوةِ لديهم ( موسى ) عليه السلام ، فالتفوا حوله في مصر لا إيمانًا برسالته كرسول ، ولكن كبطل قومي يرجُون على يديه تخليصَهم من قبضة فرعون الطاحنة .

ويبدو أن حياةَ الذُّلِّ التي أَلِفُوها والتي تشكل جزءًا من طبيعتهم لَمْ تَستَسِغْ طَعمَ الحريةِ التي يأنفُ الشاعرُ العربي الجاهلي العيشَ بِدُونها ، فيقول:

لا تسقني ماءَ الحياة بِذِلَّةٍ

ماءُ الحياةِ بِذِلَّةٍ iiكَجهنمٍ ... ... بلْ فاسقِني بالعزِّ كأسَ الحنظَلِ

وجهنمٌ بالعِزِّ أَطيبُ iiمَنزِلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت